انطلاقًا من رسالته العلمية والوطنية في رصد وتحليل التحولات السياسية والاستراتيجية المؤثرة على السودان ومحيطه الإقليمي، أعد مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات هذه الدراسة المتخصصة بعنوان: “تقرير تحليلي عن الانتخابات الإثيوبية 2026 : قراءة استراتيجية في موازين القوى الداخلية والتداعيات الإقليمية وانعكاساتها على السودان”، وذلك عبر فريق من الباحثين والخبراء والمختصين في الشؤون السياسية والاستراتيجية وقضايا القرن الإفريقي.
وتأتي هذه الدراسة في ظل مرحلة إقليمية بالغة التعقيد تشهد تحولات متسارعة في موازين القوى والعلاقات الدولية والإقليمية، حيث تمثل الانتخابات الإثيوبية لعام 2026 محطة مفصلية في مسار الدولة الإثيوبية ومستقبل أدوارها الإقليمية. كما تكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة إثيوبيا الجيوسياسية ودورها المحوري في قضايا الأمن والاستقرار والتنمية في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر.
وإدراكًا من المركز لحجم التأثيرات المحتملة لهذه الانتخابات على البيئة الاستراتيجية المحيطة بالسودان، سعت الدراسة إلى تقديم قراءة موضوعية تستند إلى منهج التحليل السياسي والاستراتيجي، من خلال استعراض المشهد الانتخابي والقوى الفاعلة فيه، وتحليل السيناريوهات المتوقعة لنتائج الانتخابات، وتقدير انعكاساتها على الأوضاع الداخلية الإثيوبية وعلى التوازنات الإقليمية، مع التركيز بصورة خاصة على المصالح والأمن القومي السوداني.
ويأمل المركز أن تسهم هذه الدراسة في توفير معرفة تحليلية رصينة تساعد صناع القرار والباحثين والمهتمين بالشأن الإقليمي على فهم طبيعة التحولات الجارية في إثيوبيا واستشراف تداعياتها المستقبلية، بما يدعم بناء سياسات أكثر فاعلية في التعامل مع المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
"تقرير تحليلي عن الانتخابات الإثيوبية 2026:
قراءة استراتيجية في موازين القوى الداخلية والتداعيات الإقليمية وانعكاساتها على السودان"
الاعداد : مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الازمات
ملخص الدراسة :
تتناول الدراسة الانتخابات الإثيوبية لعام 2026 بوصفها حدثا سياسيا واستراتيجيا بالغ الأهمية لا يقتصر تأثيره على الداخل الإثيوبي فحسب، بل يمتد إلى مجمل منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر، بما في ذلك السودان الذي يتأثر بصورة مباشرة بالتحولات السياسية والأمنية في إثيوبيا. وتنطلق الدراسة من حقيقة أن إثيوبيا تمثل إحدى أكبر القوى الإقليمية في إفريقيا، سواء من حيث عدد السكان أو الموقع الجيوسياسي أو دورها في القضايا الإقليمية، الأمر الذي يجعل نتائج الانتخابات ذات أبعاد تتجاوز مجرد التداول السياسي الداخلي.
تستعرض الدراسة الخلفية التاريخية للتجربة الانتخابية الإثيوبية منذ سقوط نظام منغستو هيلا مريام عام 1991 وصعود الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية إلى السلطة. وتشير إلى أن النظام السياسي الإثيوبي مر بعدة محطات انتخابية مهمة، كان أبرزها انتخابات عام 2021 التي جاءت بعد تأسيس حزب الازدهار بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، حيث تمكن الحزب من تحقيق فوز كبير مكّنه من السيطرة على البرلمان وتشكيل الحكومة.
وترى الدراسة أن انتخابات 2026 تأتي في سياق مختلف يتميز بتعقيدات داخلية وإقليمية كبيرة، تشمل تداعيات حرب تيغراي، والتوترات الأمنية في أمهرا وأوروميا، والأزمات الاقتصادية، إضافة إلى المنافسة الإقليمية المرتبطة بسد النهضة وقضايا البحر الأحمر.
وتوضح الدراسة أن الانتخابات ستُجرى في دولة يتجاوز عدد سكانها 135 مليون نسمة، ويحق لعشرات الملايين المشاركة في الاقتراع لاختيار أعضاء البرلمان الاتحادي. كما تشير إلى أن بعض الدوائر الانتخابية استُبعدت من العملية الانتخابية بسبب الأوضاع الأمنية، خاصة في إقليمي تيغراي وأمهرا، وهو ما يعكس استمرار تأثير النزاعات المسلحة والتوترات السياسية على المشهد الانتخابي. ورغم ذلك، فإن العملية الانتخابية تظل أوسع عملية سياسية تشهدها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وفي تحليلها للقوى السياسية المتنافسة،
تؤكد الدراسة أن حزب الازدهار بقيادة آبي أحمد يدخل الانتخابات وهو في موقع متقدم مقارنة ببقية الأحزاب، مستفيدًا من سيطرته على مؤسسات الدولة، وانتشاره التنظيمي الواسع، وقدرته على توظيف مشروعات قومية كبرى وعلى رأسها سد النهضة بوصفه رمزًا للسيادة والوحدة الوطنية. كما يستفيد الحزب من حالة الانقسام والتشرذم التي تعاني منها قوى المعارضة، سواء على المستوى القومي أو الإقليمي، الأمر الذي يحد من قدرتها على تشكيل جبهة موحدة قادرة على منافسته بصورة فعالة.
في المقابل، تشير الدراسة إلى وجود عدد من الأحزاب المعارضة التي تحاول تقديم نفسها كبديل سياسي، ومن بينها حزب مواطنون من أجل العدالة الاجتماعية، إضافة إلى بعض الحركات القومية والإقليمية في أمهرا وأوروميا وغيرها من الأقاليم. إلا أن هذه القوى تواجه تحديات كبيرة تتمثل في ضعف الانتشار الجغرافي، والانقسامات الداخلية، ومحدودية الموارد التنظيمية والسياسية، مما يجعل قدرتها على إحداث تغيير جذري في موازين القوى محدودة. كما أن استمرار الأوضاع الأمنية المضطربة في بعض المناطق يقلل من فرص المعارضة في توسيع قاعدتها الشعبية وتحقيق نتائج انتخابية مؤثرة.
وتخلص الدراسة إلى أن المؤشرات السياسية والأمنية والانتخابية ترجح فوز حزب الازدهار بأغلبية برلمانية مريحة تمكنه من تشكيل الحكومة المقبلة والاستمرار في قيادة البلاد خلال السنوات الخمس القادمة. وترى أن الحزب يمتلك مزايا عديدة، من بينها السيطرة على أدوات السلطة، والقدرة على إدارة الحملات الانتخابية، والدعم النسبي الذي يحظى به من بعض القوى الدولية والإقليمية التي تنظر إلى استقرار إثيوبيا باعتباره أولوية استراتيجية في منطقة القرن الإفريقي.وتقدر الدراسة أن فرص الحزب في الاحتفاظ بالأغلبية البرلمانية مرتفعة للغاية مقارنة باحتمالات تراجع نفوذه أو خسارته للسلطة.
وتعرض الدراسة ثلاثة سيناريوهات رئيسية لنتائج الانتخابات. يتمثل السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحا، في تحقيق حزب الازدهار فوزًا مريحًا يسمح له بالاستمرار في الحكم دون عقبات كبيرة، مع مواصلة السياسات الحالية داخليًا وخارجيًا. أما السيناريو الثاني فيقوم على فوز الحزب بأغلبية أقل من المتوقع، بما يفرض عليه التعامل مع معارضة أكثر نشاطًا داخل البرلمان، وربما يدفعه إلى تقديم بعض الإصلاحات السياسية والإدارية. في حين يتمثل السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا، في حدوث اضطرابات سياسية وأمنية عقب إعلان النتائج نتيجة اعتراض بعض القوى السياسية أو المسلحة على العملية الانتخابية أو نتائجها.
وعلى المستوى الداخلي، تتوقع الدراسة أن يؤدي فوز حزب الازدهار إلى استمرار النهج السياسي القائم وتعزيز موقع الحكومة المركزية بقيادة آبي أحمد. كما سيوفر للحكومة غطاءً سياسيًا لمواصلة تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي ومشروعات البنية التحتية الكبرى، بالإضافة إلى تعزيز دور الدولة المركزية في إدارة الملفات الأمنية والتنموية.
ومع ذلك، تحذر الدراسة من أن استمرار المشكلات الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم، والتوترات العرقية والإقليمية، قد يظل مصدرًا للضغط على الحكومة ويحد من قدرتها على تحقيق استقرار طويل الأمد.
أما على الصعيد الإقليمي، فتشير الدراسة إلى أن فوز حزب الازدهار سيعزز مكانة إثيوبيا كقوة إقليمية صاعدة في القرن الإفريقي. كما سيمكنها من مواصلة سياساتها المتعلقة بسد النهضة والتمسك بمواقفها التقليدية تجاه إدارة السد وتشغيله، مع رفض أي ترتيبات تعتبرها مقيدة لسيادتها على المشروع. كذلك ستواصل أديس أبابا تعزيز حضورها في ملفات الأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي والعلاقات الدولية، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتنامية مع قوى دولية وإقليمية متعددة.
وفيما يتعلق بالسودان، ترى الدراسة أن نتائج الانتخابات الإثيوبية تمثل قضية ذات أهمية مباشرة للأمن القومي السوداني. فاستمرار حكم حزب الازدهار يعني استمرار البيئة الاستراتيجية الحالية التي تحيط بالسودان، خصوصًا في ظل الحرب السودانية وما نتج عنها من تراجع قدرة الخرطوم على إدارة بعض الملفات الإقليمية الحساسة.
وتشير الدراسة إلى أن إثيوبيا قد تستفيد من انشغال السودان بأزماته الداخلية لتعزيز نفوذها الإقليمي وإعادة صياغة بعض موازين القوى في المنطقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
كما تحذر الدراسة من أن المناطق الحدودية المشتركة بين السودان وإثيوبيا ستظل من أكثر المناطق حساسية خلال السنوات المقبلة، نظرًا لارتباطها بقضايا الأمن الحدودي، والهجرة غير الشرعية، وتهريب السلاح، ونشاط الجماعات المسلحة، والنزاع حول الأراضي الزراعية في منطقة الفشقة. وترى أن هذه الملفات ستظل تمثل تحديًا مستمرًا للعلاقات السودانية الإثيوبية وتتطلب متابعة دقيقة من صناع القرار في السودان.
وتختتم الدراسة بالتأكيد على أن الانتخابات الإثيوبية لعام 2026 ستكرس على الأرجح استمرار حزب الازدهار وهيمنة آبي أحمد على المشهد السياسي الإثيوبي، مع بقاء التحديات الأمنية والاقتصادية والعرقية قائمة. كما تؤكد أن إثيوبيا ستظل خلال السنوات القادمة الفاعل الإقليمي الأكثر تأثيرًا على الأمن القومي السوداني، الأمر الذي يفرض على السودان تطوير رؤية استراتيجية شاملة لإدارة علاقاته مع أديس أبابا ومتابعة التطورات السياسية والأمنية فيها بصورة مستمرة ومنهجية.




