أولاً: المقدمة
تُعد رعاية كبار السن واجبا دينيًا وإنسانيًا ومجتمعيًا يعكس قيم الوفاء والبر والإحسان. وقد أدّت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023م إلى اضطرابات اجتماعية واسعة، ترتب عليها تفكك في الروابط الأسرية وفقدان العديد من كبار السن لمصدر الرعاية والدعم.
إن هذه الورقة تأتي في إطار جهود وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم لتطوير أنظمة الرعاية والإيواء، وتعزيز بدائل الرعاية الأسرية والمجتمعية لكبار السن، ضمن رؤية شاملة تسعى للانتقال من الرعاية المؤسسية إلى الدمج الإنساني المستدام.
ثانيًا: تحليل الوضع الراهن
- بعد اندلاع الحرب، تم ترحيل دار المسنين الرجال إلى ولاية نهر النيل، والمسنات إلى ولايتي الجزيرة وكسلا كإجراء طارئ لحمايتهم.
- توقفت الخدمات الصحية والاجتماعية المنتظمة داخل الدور بسبب النزوح وتوقف التمويل.
- ضعف التنسيق بين الولايات في متابعة النزلاء وإعادة دمجهم مع أسرهم.
- غياب قاعدة بيانات دقيقة لحصر كبار السن فاقدي الرعاية في الولاية.
- نقص الكوادر المتخصصة في التعامل مع كبار السن (التمريض والرعاية النفسية النفسية)
- توقف الدعم المالي والتمويلي من بعض المنظمات الوطنية والأجنبية بعد الحرب، مما أثّر على استمرارية البرامج.
ثالثًا: الفجوات والتحديات
- فجوات مؤسسية: غياب هيكل إداري موحد يشرف على جميع دور رعاية المسنين بالولاية.
- فجوات تشريعية: عدم وجود قانون ولائي محدّث يُنظم الرعاية الاجتماعية لكبار السن ويضمن حقوقهم في الرعاية الصحية والاجتماعية.
- تحديات تمويلية: ضعف التمويل الحكومي وغياب آلية مستدامة لدعم الدور.
- تحديات ميدانية: تشتت الدور في ولايات مختلفة مما صعّب الرقابة والإشراف الإداري.
- ضعف الكوادر: غياب برامج التدريب المستمر للعاملين في مجال رعاية كبار السن.
- تأثيرات الحرب: النزوح وفقدان التواصل الأسري، وازدياد أعداد فاقدي الرعاية الأسرية. وغياب برامج الدمج المجتمعي والمساندة اللاحقة للرعاية.
رابعًا: الأولويات
إعادة تكوين إدارة موحدة لدور رعاية المسنين بولاية الخرطوم لتوحيد الإشراف والخدمات.
تأهيل دور الإيواء الحالية (دار الضو حجوج للرجال، ودار الشباب للنساء) لتناسب احتياجات كبار السن.
إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية موحدة لحصر كبار السن فاقدي الرعاية.
تدريب الكوادر التمريضية والاجتماعية في مجالات الشيخوخة والدعم النفسي.
تفعيل الشراكات مع ديوان الزكاة والأوقاف والشركات الوطنية.
تبني نموذج الرعاية الأسرية البديلة لكبار السن القادرين على الاندماج في المجتمع.
إنشاء وحدة للمّ الشمل والتقصي الأسري للربط بين النزلاء وأسرهم الممتدة.
خامسًا: تحديث التشريعات والسياسات
- مراجعة او وضع قانون جديد لرعاية كبار السن بالتنسيق مع وزارة التنمية الاجتماعية الاتحادية لإدراج نصوص تحمي حقوق فاقدي الرعاية الأسرية.
- إصدار لوائح تنظم عمل الدور الحكومية والخاصة وتحدد معايير القبول والرعاية والخدمات.
- اعتماد دار الضو حجوج ودار الشباب بدور قومية ذات صفة اعتبارية تحت إشراف الوزارة.
- سنّ تشريعات تشجع الرعاية الأسرية البديلة وتتيح منح دعم مادي للأسر الحاضنة لكبار السن.
- مراجعة أوضاع الدور التابعة للمؤسسات الدينية والمنظمات وتنظيمها بالقانون لضمان جودة الخدمات.
سادسًا: نظام الكفالة المطلوب وأنواعه
1.. مفهوم الكفالة لكبار السن:
الكفالة في هذا الإطار تعني توفير الرعاية البديلة للمسن فاقد الرعاية الأسرية، سواء عبر أسرة بديلة أو جهة مجتمعية أو مؤسسة، بما يضمن له الكرامة، والرعاية الصحية، والدمج الاجتماعي.
2.أنواع الكفالة المقترحة:
ا. الكفالة الأسرية:عبر أسر تمتلك القدرة والرغبة في استضافة كبار السن، مع دعم مالي وإشراف دوري من الوزارة.
ب. الكفالة المجتمعية:تتم من خلال جمعيات أو لجان أهلية تتولى متابعة كبار السن داخل الأحياء وتقديم الرعاية اليومية.
ج. الكفالة المؤسسية:عبر مراكز الإيواء التي تقدم خدمات الإقامة والعلاج والتأهيل الاجتماعي لمن لا تتوفر لهم أسر.
د. الكفالة الممتدة:تتابع الحالات بعد دمجها في أسر أو مجتمعات محلية، لضمان استقرارها وتقديم الدعم المستمر.
- 3. آليات تطوير نظام الكفالة
- إنشاء سجل إلكتروني للأسر الكافلة والمسنين لتسهيل التوفيق والمتابعة.
- إعداد لائحة موحدة للكفالة توضح الحقوق والالتزامات.
- توفير حوافز مالية وخدمية للأسر الكافلة من موارد الزكاة والمسؤولية المجتمعية.
- إشراك المنظمات الإنسانية في تمويل برامج الكفالة والرعاية.
سابعًا: الخدمات والتأهيل
يهدف هذا المحور إلى تطوير نوعية الخدمات المقدمة لكبار السن فاقدي الرعاية الأسرية، وتحويل دور الإيواء إلى مؤسسات حياة فاعلة تقدّم الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية الشاملة، وتتيح فرص المشاركة المجتمعية والاندماج الإيجابي. حيث يتمثل الأثر المتوقع من تنفيذ هذا المحورفى تحسين جودة الحياة والصحة النفسية لكبار السن وتقليل الاعتماد على الإيواء الدائم من خلال الدمج الأسري والمجتمعي.
- الخدمات الصحية:
- إنشاء وحدات طبية متكاملة داخل الدور مزوّدة بطبيب عام، ممرضين، وصيدلية أساسية.
- توفير التأمين الصحي المجاني لجميع النزلاء، بما يشمل الفحوصات الدورية والعلاج الطبيعي والتغذية العلاجية.
- عقد شراكات مع المستشفيات التعليمية لتقديم زيارات طبية دورية وتدريب الكوادر التمريضية.
- إدخال برامج الصحة النفسية لعلاج الاكتئاب والعزلة الاجتماعية بين كبار السن.
- توفير سيارات إسعاف خاصة بالدور لتسهيل النقل إلى المستشفيات عند الطوارئ.
- الخدمات الاجتماعية:
- تخصيص مرشدين اجتماعيين في كل دار لمتابعة الحالات اليومية وتقييم الاحتياجات الفردية.
- إنشاء وحدة للمساندة الأسرية ولمّ الشمل تهدف إلى إعادة الروابط مع الأسر الممتدة كلما أمكن.
- تفعيل البرامج الترفيهية والثقافية (ندوات، أناشيد، جلسات حكي تراثي) للحفاظ على التواصل الذهني والروحي للمسنين.
- تنظيم زيارات تطوعية دورية من المدارس والجامعات لتعزيز التواصل بين الأجيال.
- إنشاء مكتبات صغيرة ومناشط فنية ومهنية خفيفة تناسب قدراتهم (مثل الحرف اليدوية والحدائق المنزلية)
3.خدمات التأهيل النفسي والاجتماعي:
- تطبيق برامج العلاج النفسي الفردي والجماعي بإشراف مختصين نفسيين.
- تنفيذ جلسات دعم نفسي جماعي أسبوعية للحد من مشاعر العزلة والفقد.
- إعداد خطة تأهيل فردية لكل نزيل تحدد الاحتياجات الصحية والنفسية والاجتماعية وخطوات تحسين جودة حياته.
- تمكين كبار السن من المساهمة في برامج الإرشاد والنصح المجتمعي باعتبارهم أصحاب خبرة وحكمة.
- التأهيل المهني والخدمي (التمكين الإنتاج)
- إعادة دمج القادرين على العمل الخفيف في ورش الحرف اليدوية والزراعة المنزلية بالتنسيق مع المدينة الاجتماعية.
- إقامة مشروعات صغيرة إنتاجية داخل الدور (مثل أعمال الخياطة أو صناعة المباخر أو التعبئة المنزلية) بدعم من ديوان الزكاة والقطاع الخاص.
- تخصيص جزء من عائد الإنتاج للنزلاء كمحفّز نفسي ومادي.
- إشراكهم في الأنشطة العامة (المعارض، الأيام المفتوحة، والمهرجانات الوطنية) لترسيخ الشعور بالانتماء والعطاء.
- خدمات التدريب ورفع القدرات:
- تنفيذ برامج تدريب متخصصة للعاملين في الدور حول أساليب التعامل مع الشيخوخة والرعاية النفسية.
- تعاون مع كليات الطب والتمريض والعلوم الاجتماعية لتدريب طلابهم عمليًا في الدور.
- إعداد دليل تدريبي موحد للعاملين في مجال الشيخوخة يشمل أخلاقيات المهنة، مهارات التواصل، والرعاية التمريضية.
- 6. خدمات التوعية والإرشاد الأسري والمجتمعي
- نشر ثقافة احترام كبار السن ورعايتهم في المناهج التعليمية والإعلام.
- إشراك المؤسسات الدينية والإعلامية في حملات توعية بأهمية البر بالوالدين والرعاية الأسرية الممتدة.
- زيادة مشاركة المجتمع المدني والقطاع الخاص في تبني مبادرات دعم دور المسنين.
ثامناً: البرامج التنفيذية المقترحة
- برنامج إعادة تأهيل دور الإيواء
- إعادة تشغيل دار الضو حجوج (بحري) للرجال، ودار الشباب (بحري) للنساء.
- تطوير البنية التحتية لتشمل وحدات طبية، صالات ترفيه، وغرف علاج طبيعي.
- توحيد الإدارة والخدمات لكفاءة التشغيل.
2.برنامج الرعاية الصحية والاجتماعية
- إنشاء عيادات طبية دائمة داخل الدور بالتنسيق مع وزارة الصحة.
- توفير الأدوية والدعم الغذائي مجانًا للمسنين.
- تدريب ممرضين وأخصائيين اجتماعيين على التعامل مع كبار السن.
- برنامج الكفالة الأسرية والمجتمعية
- إعداد لائحة للكفالة وتحديد الشروط والمعايير للأسر الحاضنة.
- منح حوافز للأسر التي تتبنى كبار السن، تشمل التأمين الصحي والدعم الغذائي.
- تنفيذ زيارات متابعة ميدانية منتظمة.
- برنامج لمّ الشمل والتقصي الأسري
- تكوين فرق ميدانية للبحث عن أسر النزلاء بالتنسيق مع الولايات.
- تسهيل إجراءات عودة المسن إلى أسرته الأصلية أو أسرته الممتدة متى ما أمكن.
- برنامج الشراكات والتمويل
- تخصيص دعم شهري من وزارة التنمية الاتحادية باعتبار الدور مؤسسات قومية.
- تنشيط شراكات التمويل مع ديوان الزكاة، الأوقاف، القطاع الخاص، والخيرين.
- استقطاب دعم من مركز الملك سلمان للإغاثة والمنظمات الإنسانية الدولية.
6.برنامج التوعية المجتمعية والإعلام
- إطلاق حملات إعلامية لزيادة ثقافة احترام كبار السن ورعايتهم.
- إشراك الإعلام والمساجد في نشر الوعي بحقوق المسنين.
تاسعاً : التوصيات
- اعتبار رعاية كبار السن فاقدي الرعاية الأسرية قضية قومية ذات أولوية اجتماعية وإنسانية.
- تخصيص دعم مالي دائم من الميزانية العامة لتشغيل الدور.
- الإسراع في إجازة قانون كبار السن وتنفيذه على مستوى الولاية.
- توحيد إدارة دور الإيواء تحت مظلة واحدة لتنسيق الخدمات.
- تفعيل نظام الكفالة الأسرية والمجتمعية لتقليل الاعتماد على الإيواء المؤسسي.
- تعزيز برامج لم الشمل الأسري والتقصي الاجتماعي.
- رفع قدرات العاملين في مجال رعاية كبار السن بالتعاون مع كليات الطب والتمريض والاجتماع.
- توسيع الشراكات الوطنية والدولية لدعم التمويل والبنية التحتية.
- اعتماد دليل إرشادي قومي لرعاية كبار السن يوضح معايير الخدمة والرعاية.
- إنشاء مجلس أمناء لدور المسنين من شخصيات اعتبارية وشعبية للإشراف والمساندة المجتمعية.
الخاتمة
تشكل هذه الرؤية إطارًا عمليًا متكاملًا لتطوير خدمات الرعاية لكبار السن فاقدي الرعاية الأسرية بولاية الخرطوم، وتؤكد أهمية الانتقال من الرعاية المؤسسية إلى منظومة الرعاية الأسرية والمجتمعية المستدامة، بما يعزز من قيم التكافل والتراحم، ويصون كرامة الإنسان في كل مراحل العمر. ويؤدى الى بناء نموذج وطني متكامل لرعاية الشيخوخة يوازن بين الرحمة والتمكين.
والله ولي التوفيق.





لا تعليق! كن أول من يعلق.