في إطار رسالته العلمية الهادفة إلى دعم صناعة القرار وتقديم المعالجات المبنية على الأدلة، أعدَّ مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات هذه الدراسة المتخصصة حول “أزمة النظام الصحي في السودان: تحليل بنيوي وتطبيقي وفق منهج إدارة الأزمات الصحية العالمية”، وذلك بمشاركة فريق من الباحثين والخبراء والمتخصصين في مجالات إدارة الأزمات، والسياسات الصحية، والتنمية، والاقتصاد، والصحة العامة.
وتأتي هذه الدراسة استجابةً للحاجة المتزايدة إلى تحليل علمي ومنهجي للأزمة الصحية التي يشهدها السودان، في ظل التحولات الكبيرة التي فرضتها الحرب وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية والمؤسسية. وقد اعتمد فريق الدراسة على أحدث الأطر والمنهجيات الدولية في إدارة الأزمات الصحية، وفي مقدمتها منهج إدارة الأزمات الصحية العالمية (Global Health Crisis Management Framework)، إلى جانب مراجعة التقارير الدولية والإقليمية والبيانات الوطنية ذات الصلة، بهدف تقديم قراءة موضوعية وشاملة لواقع النظام الصحي السوداني، وتشخيص أسباب الأزمة وآثارها، واقتراح مسارات عملية للتعافي وإعادة البناء.
وانطلاقًا من قناعة المركز بأن الأزمات الوطنية المعقدة تتطلب حلولًا مؤسسية تتجاوز المعالجات الآنية، تسعى هذه الدراسة إلى الإسهام في توفير مرجع علمي يمكن أن يستفيد منه صُنّاع القرار، والجهات الحكومية، والمنظمات الدولية، والمؤسسات الإنسانية، والباحثون، والمهتمون بالشأن الصحي، من أجل دعم جهود الاستجابة والتعافي وبناء نظام صحي أكثر كفاءة ومرونة واستدامة.
ويؤكد مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات أن ما يرد في هذه الدراسة يمثل نتاج عمل بحثي جماعي استند إلى التحليل العلمي والموضوعية والاستفادة من التجارب الدولية في إدارة الأزمات، وأن الهدف الأساسي منها هو الإسهام في تطوير السياسات العامة، وتعزيز الحوار المؤسسي، ودعم الجهود الوطنية الرامية إلى حماية الأمن الصحي وتحسين جودة الخدمات الصحية، بما يحقق مصلحة المواطن السوداني ويعزز فرص التعافي والتنمية المستدامة.
يمثل النظام الصحي في السودان اليوم إحدى أكثر مؤسسات الدولة تعرضًا للانهيار نتيجة التداخل المعقد بين العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية والإنسانية، حتى أصبحت الأزمة الصحية واحدة من أخطر التحديات الوطنية التي تواجه البلاد. فبعد عقود من ضعف الاستثمار في القطاع الصحي وتراجع البنية المؤسسية، جاءت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لتُحدث تحولًا جذريًا في طبيعة الأزمة، حيث انتقلت من أزمة مزمنة تعاني من نقص الموارد وضعف الكفاءة إلى أزمة هيكلية شاملة تهدد بقاء النظام الصحي نفسه، وتنعكس آثارها بصورة مباشرة على الأمن الصحي والإنساني والاستقرار المجتمعي.
ينطلق هذا التقرير من رؤية علمية تعتبر أن الأزمة الصحية في السودان ليست مجرد نتيجة مباشرة للحرب، وإنما هي حصيلة تراكم طويل من الاختلالات المؤسسية التي شملت ضعف الحوكمة، وتراجع الإنفاق الحكومي على الصحة، وعدم عدالة توزيع الخدمات بين الولايات، وغياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، بالإضافة إلى استمرار هجرة الكفاءات الطبية وتراجع الاستثمار في البنية التحتية الصحية. وقد أدت الحرب إلى تعميق هذه الاختلالات بصورة غير مسبوقة، فأصبح النظام الصحي عاجزًا عن أداء وظائفه الأساسية في تقديم الخدمات العلاجية والوقائية والاستجابة للطوارئ.
ويعتمد التقرير على منهج إدارة الأزمات الصحية العالمية (Global Health Crisis Management Framework)، وهو أحد أكثر المناهج استخدامًا في تحليل وإدارة الأزمات الصحية المعقدة، حيث يقوم على دراسة الأزمة منذ جذورها الأولى، وتحليل أسبابها المباشرة وغير المباشرة، ورصد مراحل تطورها، وتحديد المخاطر التي تهدد استمرارها، ثم اقتراح التدخلات المناسبة وفق أولويات علمية قابلة للتنفيذ. ويتميز هذا المنهج بأنه لا يركز على معالجة النتائج فحسب، وإنما يهتم بإصلاح البنية المؤسسية التي أنتجت الأزمة، بما يضمن بناء نظام صحي أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية.
ويبين التقرير أن مظاهر الانهيار الحالية تشمل تدمير عدد كبير من المستشفيات والمراكز الصحية، وتعطل خدمات الرعاية الصحية الأولية والطوارئ والعناية المركزة، وانقطاع الإمدادات الدوائية والمستلزمات الطبية، وتوقف عدد كبير من برامج التحصين والوقاية، فضلًا عن انهيار منظومة الإحالة الطبية وخروج العديد من سيارات الإسعاف والمولدات الكهربائية عن الخدمة بسبب نقص الوقود والطاقة. كما أدى النزوح الجماعي للسكان إلى زيادة غير مسبوقة في الطلب على الخدمات الصحية داخل مناطق محدودة الإمكانات، الأمر الذي فاقم من حجم الضغوط على المؤسسات الصحية العاملة.
ويشير التقرير إلى أن الأزمة الصحية تجاوزت بعدها الطبي التقليدي لتتحول إلى أزمة إنسانية وتنموية متكاملة، حيث يعيش ملايين السودانيين في ظروف نزوح قاسية تفتقر إلى الخدمات الصحية الأساسية، مع تزايد معدلات سوء التغذية، وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المعدية، وتراجع خدمات رعاية الأمومة والطفولة، وظهور تحديات جديدة تتعلق بالصحة النفسية نتيجة التعرض المستمر للحرب وفقدان مصادر الدخل والاستقرار الاجتماعي. كما أدى انهيار النظام الصحي إلى زيادة العبء الاقتصادي على الأسر السودانية، التي أصبحت تتحمل تكلفة العلاج بصورة أكبر في ظل ارتفاع أسعار الأدوية وضعف القدرة الشرائية.
ويتناول التقرير بصورة تفصيلية الجذور التاريخية للأزمة، موضحًا أن تراجع النظام الصحي لم يبدأ مع الحرب، وإنما يعود إلى سنوات طويلة من ضعف التمويل العام وتراجع الإنفاق على الصحة مقارنة بالقطاعات الأخرى، إلى جانب سوء توزيع الموارد بين الولايات، وتركز الخدمات المتقدمة في العاصمة، وغياب سياسات فعالة لاستبقاء الكوادر الطبية. وقد ساهمت هذه العوامل في إضعاف قدرة النظام الصحي على مواجهة أي صدمة كبيرة، الأمر الذي جعل الحرب تكشف هشاشته بصورة كاملة.
كما يحلل التقرير دورة حياة الأزمة الصحية وفق النماذج الدولية لإدارة الأزمات، حيث يوضح أن السودان مر بمرحلة الإنذار المبكر قبل اندلاع الحرب من خلال مؤشرات واضحة تمثلت في ضعف البنية المؤسسية وتراجع الجاهزية الصحية، إلا أن غياب التدخلات الوقائية أدى إلى الانتقال السريع نحو مرحلة الانهيار عقب اندلاع الحرب. وبعد ذلك دخلت الأزمة مرحلة الاستجابة الإنسانية التي اعتمدت بصورة كبيرة على تدخلات المنظمات الدولية والقطاع الخاص، لكنها ظلت محدودة من حيث التغطية والموارد، ولم تتمكن حتى الآن من نقل النظام الصحي إلى مرحلة التعافي الحقيقي، مما يعني أن السودان ما يزال يعيش بين مرحلتي الاستجابة الطارئة والاحتواء المحدود.
ويخصص التقرير جزءًا مهمًا لتحليل أصحاب المصلحة، موضحًا أن إدارة الأزمة لا يمكن أن تعتمد على وزارة الصحة وحدها، وإنما تتطلب تنسيقًا متكاملًا بين مؤسسات الدولة المختلفة، والسلطات الولائية، والمنظمات الدولية، والقطاع الخاص، والنقابات المهنية، والمجتمعات المحلية، باعتبار أن نجاح أي خطة للتعافي يرتبط بوجود قيادة موحدة، وتوزيع واضح للمسؤوليات، وآليات فعالة للتنسيق واتخاذ القرار.
وفي إطار التحليل العلمي للمخاطر، يقدم التقرير مصفوفة متخصصة تعتمد على منهجية ” الاحتمال × الأثر “، حيث يصنف أبرز المخاطر التي تهدد النظام الصحي بحسب درجة خطورتها. ويأتي في مقدمة هذه المخاطر استمرار انقطاع الإمدادات الدوائية، ونقص الوقود والطاقة، وتفشي الأمراض الوبائية، واستمرار هجرة الكوادر الطبية، وتعطل نظم المعلومات الصحية، وتراجع ثقة المواطنين في المؤسسات الصحية. كما يربط التقرير بين كل خطر والإجراءات المناسبة للتخفيف من آثاره، بما يساعد صناع القرار على ترتيب أولويات التدخل وفق منهج علمي واضح.
ويستعرض التقرير كذلك السيناريوهات المحتملة لتطور الأزمة خلال المرحلة المقبلة. فالسيناريو الأول يتمثل في استمرار التدهور إذا استمرت الحرب وتعطلت سلاسل الإمداد وتراجع الدعم الإنساني، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار شبه كامل للنظام الصحي واتساع رقعة الأوبئة وارتفاع معدلات الوفيات. أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار حالة الاستنزاف التدريجي للنظام الصحي دون انهيار كامل، لكنه يؤدي إلى تراجع مستمر في جودة الخدمات وفقدان المزيد من الكوادر والإمكانات. وفي المقابل، يقدم التقرير سيناريو ثالثًا يقوم على التعافي التدريجي إذا توفرت الإرادة السياسية والتمويل والتنسيق المؤسسي، بما يسمح بإعادة بناء النظام الصحي بصورة تدريجية.
وانطلاقًا من هذا التحليل، يقترح التقرير إطارًا عمليًا للتعافي يعتمد على ثلاث مراحل مترابطة. تبدأ المرحلة الأولى بالتعافي العاجل خلال الأشهر الستة الأولى، وتركز على إنقاذ الأرواح عبر إعادة تشغيل المرافق الصحية الأساسية، وتأمين الإمدادات الدوائية، وإنشاء غرفة وطنية لإدارة الطوارئ الصحية، ونشر العيادات المتنقلة، وإطلاق حملات واسعة للتحصين ومكافحة الأوبئة. أما المرحلة الثانية، وتمتد من ستة إلى ثمانية عشر شهرًا، فتستهدف إعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية، واستعادة الكوادر الطبية، وتطوير نظم الإنذار المبكر، وبناء مخزون استراتيجي من الأدوية والمستلزمات الطبية. ثم تأتي المرحلة الثالثة، الممتدة حتى ثلاث سنوات، والتي تركز على إعادة بناء النظام الصحي بصورة مستدامة من خلال إصلاح الحوكمة، وتعزيز التمويل الصحي، وتطوير الصناعة الدوائية الوطنية، والتحول الرقمي في إدارة الخدمات الصحية، وتوسيع مظلة التأمين الصحي، بما يضمن تحقيق المرونة والاستدامة.
ويؤكد التقرير أن نجاح هذه الرؤية يتطلب اعتماد مبادئ الإدارة العلمية للأزمات الصحية، وفي مقدمتها القيادة الموحدة، واتخاذ القرار المبني على الأدلة، وتعزيز التنسيق بين القطاعات المختلفة، والاعتماد على نظم معلومات صحية دقيقة، إلى جانب بناء شراكات فعالة مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية. كما يشدد على أن إعادة بناء النظام الصحي ينبغي ألا تقتصر على إصلاح المباني والمعدات، بل يجب أن تشمل إصلاح السياسات، وتطوير الموارد البشرية، وتعزيز الحوكمة، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات المستقبلية بكفاءة.
ويخلص التقرير إلى أن :
· الأزمة الصحية في السودان تمثل نموذجًا لأزمة هيكلية ممتدة تتقاطع فيها الأبعاد الإنسانية والطبية والسياسية.
· السيطرة عليها تتطلب حوكمة طوارئ واضحة، تمويلًا جسريًا، وتنسيقًا دوليًا فعّالًا ضمن إطار منهجي قائم على بيانات صحية دقيقة.
· إن تبنّي منهج الإدارة المتكاملة للأزمات الصحية (Integrated Health Crisis Management) هو السبيل الوحيد لاستعادة استقرار النظام الصحي وضمان الأمن الصحي الوطني
قائمة المراجع والمصادر :
أولاً : المراجع العربية :
1. منظمة الصحة العالمية – المكتب الإقليمي لشرق المتوسط. (2024). تقرير الوضع الصحي في السودان خلال النزاع المسلح. القاهرة: منظمة الصحة العالمية.
2. وزارة الصحة الاتحادية السودانية. (2023). التقرير السنوي للأداء الصحي لعام 2023. الخرطوم: إدارة التخطيط الصحي.
3. المركز العربي لدراسات التنمية المستدامة. (2022). التنمية الصحية في السودان: التحديات والفرص. بيروت: المركز العربي.
4. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي(UNDP). (2024). التقييم الإنساني المتكامل للوضع الصحي في السودان بعد الحرب. الخرطوم.
5. عبد الله، س. م. (2021). حوكمة النظام الصحي في السودان وأثرها على الكفاءة المؤسسية. مجلة جامعة النيلين للعلوم الإنسانية والاجتماعية،15(2)، 45–72.
6. مجمع الفقه الطبي العربي. (2020). الأزمات الصحية في الدول العربية: قراءة في المفاهيم والسياسات. القاهرة.
7. مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات. (2025). تقرير تحليل الأزمة الصحية في السودان: منهجية التشخيص والإدارة. الخرطوم.
ثانياً : المراجع الإنجليزية :
1. World Health Organization (WHO). (2024). Sudan Health Emergency Situation Report: Health Cluster Response.Geneva: WHO.
2. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). (2024). Sudan Humanitarian Response Plan 2024.New York: United Nations.
3. World Bank. (2023). Sudan Health Sector Review: System Resilience and Recovery Options.Washington, DC: World Bank.
4. United Nations Development Programe (UNDP). (2023). Health Systems under Conflict: The Case of Sudan.Khartoum: UNDP Sudan Office.
5. European Centre for Disease Prevention and Control (ECDC). (2022). Framework for Health Emergency Preparedness and Response.Stockholm: ECDC.
6. WHO Regional Office for the Eastern Mediterranean. (2023). Building Resilient Health Systems in Fragile Settings.Cairo: WHO-EMRO.
7. Sphere Association. (2022). The Sphere Handbook: Humanitarian Charter and Minimum Standards in Humanitarian Response.
8. Harvard T.H. Chan School of Public Health. (2021). Global Health Crisis Management: Lessons from Complex Emergencies.Boston: Harvard University Press.
9. UNICEF (2024). Health and Nutrition Situation in Sudan: Situation Analysis and Strategic Recommendations.New York: UNICEF
10. OECD (2021). Strengthening Health Systems Resilience to Crises: Policy Frameworks and Lessons Learned.Paris: OECD Publishing.




