يأتي هذا التقرير الاستشرافي الصادر عن مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات في إطار الجهود العلمية والبحثية الرامية إلى استشراف ملامح الأزمات المحتملة خلال عام 2026، ورصد انعكاساتها على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. ويهدف المركز من خلال هذا العمل إلى تزويد صانعي القرار والباحثين والمهتمين برؤية تحليلية متقدمة تساعد على فهم الاتجاهات المستقبلية، واستباق التحديات، ووضع السيناريوهات الملائمة للتعامل مع الأوضاع المتغيرة.
إن إعداد هذا التقرير يأتي استنادًا إلى منهجية علمية تقوم على تحليل المؤشرات الراهنة، واستقراء التطورات الإقليمية والدولية، مع التركيز على العوامل الأكثر تأثيرًا في صياغة المشهد العام. ويُعد هذا الجهد امتدادًا لمسيرة المركز في تقديم دراسات معمقة تسهم في تعزيز القدرة على إدارة الأزمات، وتطوير استراتيجيات الاستجابة الفعّالة، بما يحقق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة.
يقدم هذا التقرير قراءة استشرافية للعام 2026 بوصفه عاما مرجعيا في مسار الأزمة في السودان ، استنادا إلى المعطيات الراهنة والاتجاهات المتوقعة، وليس باعتباره نبوءة مغلقة أو حكما نهائيًا على المستقبل وينطلق التقرير من قاعة أساسية مفادها أن استشراف المخاطر لا يهدف إلى التهويل أو بث القلق، بل إلى التنبيه المبكر، وتوسيع دائرة الوعي، ودعم صانع القرار بأدوات تحليل تساعده على التحرك قبل تفاقم الأزمات وتحولها إلى واقع يصعب تغييره.
و تكشف نتائج التحليل أن الدولة لا تواجه أزمة منفردة يمكن التعامل معها بمعزل عن غيرها، بل تقف أمام منظومة أزمات مركبة و متداخلة، تتفاعل سياسيًا وأمنيًا واجتماعًا واقتصاديا ودوليا. وقد خلص التقرير إلى رصد ما يقارب (58) ازمة متوقعة موزعة على ثمانية محاور رئيسية، تتنوع بين أزمات بنائية تمس هيكل الحكم ومركز القرار، وأزمات تشغيلية تؤثر على الاستقرار اليومي، وأخرى ضاغطة خارجيا تستخدم كأدوات تأثير سياسي وقانوني. وتكمن خطورة هذه الأزمات ليس في عددها فقط، بل في تزامنها وتشابكها، بما يضاعف من آثارها التراكمية إذا لم تدار ضمن رؤية شاملة.
على المستوى السياسي ينبه التقرير إلى مخاطر تفكك مركز القرار نتيجة تصاعد الاستقطاب، وازدواج الخطاب، وسيناريوهات الحكومة الموازية، فضلا عن تحول بعض أشكال الدعم السياسي إلى عبء يقيد المرونة ويغلق مساحات النقد والتصحيح. ويؤكد التقرير أن هذه المسارات، إذا ثُركت دون معالجة، قد تضعف قدرة الدولة على إدارة المرحلة الانتقالية بكفاءة وتماسك.
أمنيا وعسكريا، يرصد التقرير بيئة عالية الحساسية تتسم بازدواج القوة المسلحة، وتعقيد الترتيبات الأمنية، وتداخل أدوار الحركات المسلحة مع النزاعات القبلية، خاصة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق. ويشير التحليل إلى أن الخطر لا يكمن في وجود هذه التحديات بحد ذاتها، بل في غياب إطار واضح ومنضبط لإدارتها بما يحفظ وحدة القرار الأمني ويمنع تحول السلاح إلى عامل تفجير داخلي.
أما اجتماعيا، فيسلط التقرير الضوء على تصاعد مظاهر التفكك المجتمعي، واتساع رقعة الفقر، والنزوح المزمن، والعنف المجتمعي، وتراجع منظومات القيم والضبط الاجتماعي. ويؤكد أن هذه الأزمات لا تمثل مجرد آثار جانبية للصراع، بل عناصر فاعلة قد تؤثر مباشرة على فرص الاستقرار ما لم تدمج المعالجة الاجتماعية ضمن أولويات الأمن الوطني.
اقتصاديا، يوضح التقرير أن التدهور المعيشي لم يعد نتيجة للحرب فقط، بل أصبح أحد محركات الأزمة، عبر البطالة، وضعف الإيرادات، واقتصاد الحرب، بما يغذي دوائر العنف والهجرة والجريمة كما يشير إلى أن أي مسار استقرار سياسي أو أمني سيظل هشا دون معالجة الجذور الاقتصادية للأزمة.
وعلى الصعيد الدولي، يحذر التقرير من تصاعد الضغوط المرتبطة بملفات السلاح الكيماوي، والانتهاكات الإنسانية، والمحكمة الجنائية الدولية، والعقوبات، ويؤكد أن خطورة هذه الملفات تكمن في تلاقيها ضمن سردية دولية واحدة قد ُستخدم لتأييد القرار السيادي وتعقيد أي مسار تسوية داخلية.
يشدد التقرير في مجمله على أن هذه القراءة لا تهدف إلى رسم صورة قاتمة لمستقبل، بل إلى تحديد مسارات الخطر بوضوح، وإبراز نقاط التدخل الممكنة قبل تحول الأزمات إلى واقع مفروض فالمخاطر التي جرى رصدها تظل قابلة للاحتواء والتفكيك متى ما توفرت الإرادة السياسية، وتوحد القرار، واعتمدت مقاربة شاملة ومتزامنة في المعالجة.
و يختتم التقرير بالتأكيد على أن عام 2026 يمكن أن يكون عام الانزلاق إذا أهملت المؤشرات، كما يمكن أن يكون عام إعادة الإمساڭ بزمام المبادرة إذا جرى التعامل مع هذه التحذيرات بوصفها فرصة للإصلاح والتصحيح، لا سببا للجمود. فاستشراف الأزمات، في جوهره، ليس إعلان فشل، بل أداة قوة تمكن الدولة من التحرك بثقة، وتحويل التحديات إلى مدخل لإعادة البناء والاستقرار التدريجي.




