يقدم هذا التقرير تقدير موقف استراتيجي لتطورات الصراع في ولاية النيل الأزرق، من خلال تحليل الوضع الميداني وأدوار الفاعلين والأبعاد الإقليمية ويهدف إلى دعم صناع القرار برؤية مختصرة تساعد على فهم طبيعة التهديد، واستشراف مساراته، وتحديد أنسب الخيارات للتعامل معه.
1. يشهد إقليم ولاية النيل الأزرق تحولاً نوعيًا في مسار الصراع السوداني، حيث لم يعد مجرد مسرح عمليات ثانوي، بل أصبح بؤرة استراتيجية تتقاطع فيها الأبعاد العسكرية والجغرافية والسياسية والإقليمية. فالتطورات الميدانية الأخيرة تشير إلى انتقال العمليات من نطاق السيطرة الطرفية إلى محاولة تهديد المراكز الحيوية، وعلى رأسها مدينة الدمازين، بما يعكس سعيًا واضحًا لإعادة تشكيل ميزان القوى في جنوب شرق السودان.
2. التحليل الميداني يُظهر أن مليشيات الدعم السريع والقوات المتحالفه معها تعمل وفق نمط عملياتي متدرج، يبدأ بتثبيت السيطرة على المناطق الحدودية مثل الكرمك وقيسان، ثم توسيع نطاق النفوذ باتجاه العمق الإداري والعسكري للإقليم. غير أن العنصر الحاسم في هذا التقدم لا يكمن في القدرات الذاتية لهذه القوات فحسب، بل في طبيعة التحالف الذي نشأ بينها وبين الحركة الشعبية – جناح جوزيف توكا، وهو تحالف يعكس تكاملا ًعملياتيًا واضحًا بين قوة تمتلك الحركة والانتشار، وأخرى تمتلك المعرفة الجغرافية والقدرة على العمل في البيئات الوعرة. هذا التكامل منح العمليات الحالية قدرًا عاليا من المرونة والتعقيد، ويجعل من الصعب احتواؤها بالوسائل التقليدية.
3. في هذا السياق، تبرز الحدود مع إثيوبيا كعامل استراتيجي بالغ الأهمية، ليس بوصفها خط تماس جغرافي فحسب، بل باعتبارها مجالاً مفتوحًا للتأثير العملياتي غير المباشر. فالمعطيات تشير إلى أن هذه الحدود قد تتحول – إذا استمر التصعيد – إلى ممرات حركة وإمداد، وهو ما يمنح القوى المتحركة قدرة على المناورة وإعادة التموضع، لاسيما ان البيئة الحدودية الحالية تخلق واقعًا يسمح بتأثير غير مباشر ذي أثر ملموس على مسار العمليات.
4. إقليميًا، يظل موقف مصر محكومًا باعتبارات الأمن المائي واستقرار السودان كعمق استراتيجي، ما يرجح استمرارها في تقديم دعم سياسي وأمني للحكومة السودانية دون الانخراط في مواجهة مباشرة. في المقابل، يظهر دور الإمارات في إطار اهتمام اقتصادي يرتبط بموارد السودان، خاصة الذهب، دون مؤشرات حاسمة على سعي لسيطرة مباشرة على الأرض. إلا أن استمرار حالة السيولة الأمنية قد يفتح المجال لتنامي نفوذ غير مباشر عبر قنوات اقتصادية أو محلية.
5. من زاوية التهديدات، فإن الخطر الأكثر إلحاحًا يتمثل في احتمالية سقوط الدمازين، وهو سيناريو من شأنه أن ينقل الصراع من مرحلة الاحتواء الجغرافي إلى مرحلة التمدد العملياتي نحو ولايات تمثل العمق الحيوي للدولة، مثل ولاية سنار وولاية القضارف. ورغم أن هذه المناطق لا تواجه تهديدًا مباشرًا في الوقت الراهن، إلا أن موقعها الجغرافي يجعلها عرضة للتأثر السريع في حال تغير ميزان السيطرة في النيل الأزرق.
6. في المقابل، تواجه الحكومة السودانية معادلة معقدة في اختيار أدوات الاستجابة. فالخيار العسكري المباشر، رغم ضرورته في بعض المحاور، يظل محدود الفاعلية إذا لم يُدعّم بعمل استخباري دقيق يستهدف تفكيك شبكات الإمداد والتحالفات. أما الخيارات السياسية، وعلى رأسها محاولة فصل متمردي الحركة الشعبية عن مليشيا الدعم السريع، فتُعد من المسارات الأكثر جدوى على المدى المتوسط، نظرًا لطبيعة التحالف القائم على المصالح المتغيرة. في حين يظل خيار التصعيد الإقليمي، مثل دعم فصائل معارضة داخل إثيوبيا، خيارًا مطروحا
7. بناءً على ذلك، يشير التقدير الاستخباري العام إلى أن الصراع في النيل الأزرق يتجه نحو سيناريو حرب استنزاف ممتدة، مع بقاء احتمالية التصعيد قائمة في حال حدوث اختراق حاسم في أي من المحاور الرئيسية. كما أن تداخل العوامل المحلية والإقليمية يجعل من هذا الإقليم نقطة مرشحة للتحول إلى مركز ثقل في الصراع السوداني، وربما بوابة لانخراط إقليمي أوسع إذا لم يتم احتواء الموقف.
8. و عليه، يرى مركز تحليل الأزمات أن إدارة هذه المرحلة تتطلب مقاربة مركبة تقوم على احتواء التصعيد داخليًا، وتعزيز السيطرة على الحدود، والعمل على تفكيك التحالفات المعادية، استخدام سياسة الرع والرد بالمثل والطرق الدبلوماسية على السواء إن نجاح هذه المقاربة مرهون بقدرة الدولة على الجمع بين الحسم المحدود والمرونة السياسية، في بيئة تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين.




