مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
انطلاقًا من رسالته الوطنية في دعم صناعة القرار وتعزيز المعرفة الاستراتيجية، يقدّم مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات هذه الورقة بعنوان “رؤية استراتيجية للسلام في السودان”، والتي أعدّها فريق من الخبراء والباحثين الوطنيين المتخصصين في مجالات الدراسات الاستراتيجية، وإدارة الأزمات، والعلوم السياسية، والاقتصاد، والأمن، والتنمية، وذلك في إطار جهود المركز الرامية إلى الإسهام في بناء رؤى علمية وعملية لمعالجة التحديات الوطنية.
ويؤمن المركز بأن السلام المستدام يمثل الركيزة الأساسية لإعادة بناء الدولة السودانية وتحقيق التنمية والاستقرار، وأن إنهاء النزاعات لا يتحقق بمجرد وقف العمليات العسكرية، وإنما من خلال معالجة الأسباب الجذرية للأزمات، وبناء مؤسسات دولة قوية وعادلة، وترسيخ مبادئ سيادة القانون، والحكم الرشيد، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المتوازنة بين جميع الأقاليم.
ومنذ تأسيسه، جعل المركز قضايا السلام، وبناء الدولة، وإدارة الأزمات، والتنمية المستدامة في مقدمة أولوياته البحثية، انطلاقًا من قناعته بأن البحث العلمي الرصين والدراسات الاستراتيجية تمثل أدوات أساسية لدعم صناع القرار، وإثراء الحوار الوطني، وتقديم بدائل وسياسات قابلة للتطبيق تستجيب للتحديات التي يواجهها السودان.
ولا تمثل هذه الورقة موقفًا سياسيًا منحازًا لأي طرف، وإنما هي رؤية وطنية مستقلة تستند إلى التحليل العلمي والخبرة الوطنية، وتسعى إلى تقديم إطار استراتيجي يمكن أن يسهم في دعم جهود السلام الشامل، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته، وتعزيز التوافق الوطني، وصولًا إلى بناء دولة مستقرة وقادرة على تلبية تطلعات مواطنيها في الأمن والحرية والعدالة والتنمية.
ويأمل المركز أن تمثل هذه الدراسة إضافة نوعية للنقاش الوطني حول مستقبل السلام في السودان، وأن تسهم في دعم المبادرات الوطنية والإقليمية والدولية الهادفة إلى إنهاء الحرب، وتهيئة بيئة مواتية لبناء سلام دائم يقوم على الشراكة الوطنية، واحترام التنوع، وسيادة القانون، وتحقيق التنمية الشاملة التي تعود بالنفع على جميع أبناء السودان.
يمر السودان بواحدة من أخطر الأزمات في تاريخه الحديث منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وهي حرب كشفت هشاشة بنية الدولة وتعدد مراكز القوة المسلحة، وأظهرت عمق الانقسامات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تراكمت عبر عقود.
ولا تمثل الأزمة الحالية مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين مسلحتين، بل تعكس أزمة دولة وهوية ونظام حكم. فقد أدى ضعف المؤسسات المدنية، وتهميش الأقاليم، والتفاوت التنموي الحاد إلى خلق بيئة قابلة للانفجار المتكرر.
وعليه فإن أي تسوية حقيقية يجب أن تتجاوز فكرة وقف إطلاق النار، لتتجه نحو إعادة تأسيس الدولة السودانية على قواعد جديدة من الشرعية السياسية والحوكمة الرشيدة والتنمية المتوازنة.
أولاً : طبيعة الأزمة السودانية :
1. أزمة الدولة :
منذ الاستقلال، لم تنجح النخب السودانية في بناء دولة مؤسسات مستقرة. فقد ظل الحكم يتأرجح بين الحكومات المدنية والانقلابات العسكرية، مما أدى إلى ضعف الاستقرار السياسي.
2. تعدد مراكز القوة المسلحة :
تاريخ السودان الحديث شهد ظهور عدد كبير من القوى المسلحة، سواء كانت حركات تمرد أو مليشيات أو قوات شبه نظامية. وقد أدى ذلك إلى تآكل احتكار الدولة للقوة.
3. الصراع على الموارد والسلطة :
تشكل الموارد الطبيعية والأراضي الزراعية ومناطق التعدين أحد أهم دوافع الصراع، خاصة في المناطق الطرفية.
4. التفاوت التنموي :
تعاني مناطق مثل دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق من مستويات تنمية منخفضة مقارنة بالمركز، مما أدى إلى شعور مزمن بالتهميش.
ثانياً : التحديات الرئيسية أمام السلام :
1. انعدام الثقة بين الأطراف :
الحروب الطويلة خلقت حالة عميقة من عدم الثقة بين القوى السياسية والعسكرية.
2. انتشار السلاح :
انتشار السلاح بين الجماعات المسلحة والقبائل يمثل تهديداً كبيراً لأي عملية سلام.
3. الأزمة الاقتصادية :
يعاني السودان من أزمة اقتصادية حادة تشمل التضخم وارتفاع معدلات البطالة وانهيار العملة.
4. التدخلات الإقليمية والدولية :
تداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية في السودان يزيد من تعقيد المشهد.
ثالثاً : الإطار المفاهيمي للسلام المستدام :
يعتمد السلام المستدام على ثلاثة مستويات مترابطة :
1. الأمن :
وقف الحرب وإعادة بناء المؤسسات الأمنية.
2. السياسة :
بناء نظام سياسي شرعي قائم على التوافق الوطني.
3. الاقتصاد :
تحقيق تنمية متوازنة تقلل من دوافع الصراع.
ولا يمكن تحقيق السلام إذا تم التعامل مع هذه المستويات بصورة منفصلة.
رابعاً : المبادئ الحاكمة للرؤية الاستراتيجية :
تستند هذه الرؤية إلى مجموعة من المبادئ الأساسية :
- وحدة السودان وسيادته.
- احتكار الدولة لاستخدام القوة.
- الانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي.
- العدالة والمساءلة دون انتقام.
- التنمية المتوازنة بين الأقاليم.
- الشمولية السياسية وعدم الإقصاء.
خامساً : محاور الرؤية الاستراتيجية :
المحور الأول : وقف الحرب وترتيبات الأمن
يمثل وقف الحرب المدخل الأساسي لأي عملية سلام.
تشمل الإجراءات المقترحة :
- وقف إطلاق نار شامل.
- نشر آلية مراقبة دولية.
- سحب القوات من المدن.
- حماية البنية التحتية المدنية.
كما يجب أن تؤكل حماية المدنيين لقوات الشرطة
المحور الثاني : الإصلاح الأمني الشامل
يشمل الإصلاح الأمني :
- إعادة هيكلة القوات المسلحة.
- دمج أو تسريح التشكيلات المسلحة.
- بناء مؤسسة عسكرية قومية مهنية.
- إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية.
ويجب أن تتم هذه العملية وفق برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR).
المحور الثالث : العملية السياسية الانتقالية
تشمل العملية السياسية الخطوات التالية :
- عقد مؤتمر وطني شامل.
- صياغة إعلان مبادئ دستورية.
- تشكيل حكومة انتقالية مدنية.
- إعداد دستور دائم.
- إجراء انتخابات عامة.
ويجب أن تكون العملية السياسية شاملة لكل القوى السياسية والاجتماعية.
المحور الرابع : العدالة الانتقالية
تعد العدالة الانتقالية شرطاً أساسياً لتحقيق السلام.
وتشمل :
- التحقيق في جرائم الحرب.
- إنشاء محاكم خاصة أو مختلطة.
- تعويض الضحايا.
- برامج المصالحة المجتمعية.
كما يجب ضمان عدم تحول العدالة إلى أداة للانتقام السياسي.
المحور الخامس : التعافي الاقتصادي
يتطلب السلام خطة اقتصادية شاملة تشمل :
- إعادة إعمار البنية التحتية.
- إصلاح النظام المالي.
- دعم الزراعة والصناعة.
- مكافحة الفساد.
- جذب الاستثمارات.
المحور السادس : معالجة قضايا الأقاليم
يجب معالجة جذور النزاعات الإقليمية عبر :
- تعزيز الحكم الفيدرالي.
- توزيع عادل للموارد.
- تمكين الإدارات المحلية.
- دعم التنمية في المناطق المهمشة.
سادساً : مراحل تنفيذ السلام :
المرحلة الأولى : الاستقرار (0 – 6 أشهر)
تشمل :
- وقف إطلاق النار.
- إيصال المساعدات الإنسانية.
- بدء الحوار السياسي.
المرحلة الثانية: الانتقال (6 – 24 شهراً)
تشمل :
- تشكيل الحكومة الانتقالية.
- بدء الإصلاح الأمني.
- إطلاق العدالة الانتقالية.
المرحلة الثالثة: بناء الدولة (2 – 5 سنوات)
تشمل :
- إعادة الإعمار.
- الإصلاح الاقتصادي.
- إجراء الانتخابات.
سابعاً : دور المجتمع الدولي :
يمكن للمجتمع الدولي دعم السلام عبر :
- الوساطة السياسية.
- مراقبة وقف إطلاق النار.
- دعم برامج إعادة الإعمار.
- تقديم المساعدات الاقتصادية.
ويجب أن يكون هذا الدعم مكملاً للجهد الوطني وليس بديلاً عنه.
ثامناً : السيناريوهات المستقبلية :
السيناريو الأول : تسوية سياسية ناجحة
يؤدي إلى انتقال سياسي واستقرار نسبي.
السيناريو الثاني : جمود الصراع
يستمر النزاع دون حسم واضح.
السيناريو الثالث : تفكك الدولة
يؤدي إلى صراعات إقليمية وانهيار الدولة.
تاسعاً : الخلاصة والتوصيات :
لتحقيق السلام المستدام في السودان، توصي هذه الورقة بما يلي :
- إطلاق عملية سلام شاملة.
- إصلاح القطاع الأمني.
- تعزيز الحكم المدني.
- تحقيق العدالة الانتقالية.
- دعم التنمية المتوازنة.
- تقوية مؤسسات الدولة.
إن مستقبل السودان يعتمد على قدرة السودانيين على بناء عقد اجتماعي جديد يضمن الاستقرار والعدالة والتنمية.




