تأتي هذه الدراسة التحليلية في إطار الجهود البحثية التي يبذلها مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات، بوصفه مؤسسة متخصصة تُعنى برصد وتحليل التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية في البيئات الهشة ومناطق النزاعات. وقد أُنجزت هذه الدراسة بواسطة فريق متعدد التخصصات من الخبراء والباحثين، يضم مختصين في الإعلام والاتصال، والأمن الاستراتيجي، والعلوم السياسية، والاقتصاد، وتحليل النزاعات، بما يضمن مقاربة شاملة ومتكاملة لموضوع الدراسة.
وتستند هذه الورقة إلى منهجية تحليلية تجمع بين الرصد الميداني للمحتوى الرقمي، وتحليل الخطاب، ومراجعة التقارير الدولية، ودراسة الحالات التطبيقية المرتبطة بالسياق السوداني بعد اندلاع حرب 15 أبريل 2023. وتهدف إلى تقديم فهم معمّق لظاهرة التضليل الإعلامي باعتبارها أحد أهم أدوات الصراع المعاصر، ليس فقط من زاوية إعلامية، بل في ارتباطها المباشر بالأمن القومي، والاستقرار السياسي، والأداء العسكري، والتماسك المجتمعي.
كما تسعى الدراسة إلى سد فجوة معرفية متزايدة في فهم “الحرب المعلوماتية” في السودان، عبر تقديم تحليل علمي رصين مدعوم بأمثلة واقعية، وصولًا إلى صياغة توصيات عملية قابلة للتطبيق، يمكن أن تسهم في بناء مناعة مجتمعية ومؤسسية في مواجهة التضليل الإعلامي، والحد من آثاره على الدولة والمجتمع.
تشكل الحرب في السودان منذ 15 أبريل 2023 نموذجًا معقدًا للصراعات المعاصرة التي لم تعد تُحسم فقط عبر المواجهة العسكرية المباشرة، بل عبر “معركة موازية” تدور في الفضاء المعلوماتي. في هذا السياق، برز التضليل الإعلامي كأداة استراتيجية تُستخدم بشكل ممنهج للتأثير على الإدراك الجمعي، وتوجيه الرأي العام، وإعادة تشكيل موازين القوى السياسية والعسكرية، داخليًا وخارجيًا. ويهدف هذا التقرير إلى تحليل طبيعة هذا التضليل، وأنماطه، ودوافعه، وتأثيراته المتعددة، مع التركيز على الأمن القومي السوداني، والأداء العسكري، والتحالفات، والعلاقات السياسية.
أولاً : انهيار البيئة الإعلامية :
يوضح التقرير أن البيئة الإعلامية في السودان بعد اندلاع الحرب تعرضت لانهيار جزئي، نتيجة تضرر المؤسسات الصحفية التقليدية، وغياب الوصول المنتظم للمعلومة الموثوقة، بالتوازي مع صعود منصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار. هذا التحول خلق “فراغًا معلوماتيًا” استغلته الأطراف المختلفة لنشر روايات متضاربة، غالبًا ما تكون غير دقيقة أو مضللة. ومع تزايد الاعتماد على قنوات غير رسمية مثل مجموعات واتساب وصفحات فيسبوك، أصبحت سرعة انتشار المعلومات تفوق قدرة التحقق منها، مما أدى إلى ترسيخ بيئة خصبة للشائعات والدعاية.
ثانياً : تعدد أشكال التضليل الإعلامي :
يكشف التقرير أن التضليل الإعلامي في السودان يتخذ أشكالًا متعددة، أبرزها: التضليل البصري (صور ومقاطع فيديو خارج السياق أو مفبركة)، والتضليل القائم على الذكاء الاصطناعي (بما في ذلك التزييف العميق)، والتضليل الشبكي عبر حسابات منسّقة، بالإضافة إلى خطاب الكراهية والإغراق المعلوماتي. هذه الأنماط لا تعمل بشكل منفصل، بل تتكامل ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى التأثير على وعي الجمهور وإرباك قدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف. كما يبرز عامل جديد يتمثل في “تشكيك الجمهور في الحقيقة ذاتها”، حيث أصبح من السهل نفي أي محتوى حقيقي باعتباره “مفبركًا”، وهي ظاهرة تعرف بـ”عائد الكاذب” (Liar’s Dividend).
ثالثاً : التضليل الإعلامي كأداة استراتيجية :
من حيث الدوافع، يؤكد التقرير أن التضليل الإعلامي لم يعد مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل أصبح أداة استراتيجية تخدم أهدافًا سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية. سياسيًا، يُستخدم التضليل لشرعنة طرف ونزع الشرعية عن الآخر، عبر ربطه بالخيانة أو العمالة. عسكريًا، يُستخدم لرفع المعنويات، وإخفاء الخسائر، وتضخيم النجاحات، فضلًا عن الخداع التكتيكي. أمنيًا، يسهم في تفكيك النسيج الاجتماعي عبر نشر الشكوك والتخوين. أما اقتصاديًا، فيُستخدم لبث الشائعات حول انهيار العملة أو النظام المصرفي، أو لاستغلال الأزمات الإنسانية في عمليات احتيال مالي.
رابعاً : التضليل الإعلامي كمهدد للأمن القومي :
فيما يتعلق بالأمن القومي السوداني، يبرز التقرير أن التضليل الإعلامي يشكل تهديدًا مباشرًا له عبر عدة مسارات. أولها إضعاف التماسك الوطني من خلال تغذية الانقسامات الجهوية والقبلية، ونشر خطاب الكراهية. ثانيها زعزعة الثقة في مؤسسات الدولة، عبر الترويج لروايات غير موثقة عن الانقسامات أو الفشل المؤسسي. ثالثها تهديد الأمن المعلوماتي من خلال استخدام شبكات رقمية منسقة لنشر محتوى مضلل أو وثائق مزعومة. كما يمتد التأثير إلى الجانب الاقتصادي، حيث تؤدي الشائعات إلى خلق حالة هلع تؤثر على الأسواق وسلوك الأفراد، مما يجعل الاقتصاد جزءًا من ساحة الصراع المعلوماتي.
خامساً : على المستوى العسكري :
على مستوى الأداء العسكري، يشير التقرير إلى أن التضليل الإعلامي يلعب دورًا محوريًا في “الحرب النفسية” المصاحبة للعمليات العسكرية. إذ يتم تضخيم خسائر الجيش أو اختلاق انسحابات بهدف التأثير على الروح المعنوية، سواء لدى الجنود أو لدى المجتمع الحاضن. كما يؤدي تداول معلومات غير دقيقة حول مواقع الاشتباكات أو تحركات القوات إلى إرباك الإدراك العام للموقف العملياتي، وقد يُستغل تكتيكيًا من قبل الخصوم. بالإضافة إلى ذلك، تصبح “معركة الرواية” جزءًا لا يتجزأ من المعركة العسكرية، حيث يتنافس الأطراف على تأطير الأحداث بمصطلحات تعزز شرعيتهم وتضعف خصومهم.
سادساً : التحالفات الخارجية :
يسلط التقرير الضوء على تأثير التضليل الإعلامي على التحالفات الخارجية للسودان. إذ يؤدي انتشار روايات غير دقيقة أو مبالغ فيها حول الأوضاع الداخلية إلى تشويه صورة الدولة لدى الشركاء الدوليين، مما قد يؤثر على مواقفهم السياسية أو دعمهم المحتمل. كما تسهم الحملات الرقمية العابرة للحدود في إعادة تشكيل الاصطفافات الإقليمية، حيث يتم توظيف المنصات الدولية لخدمة أجندات معينة. كذلك، تؤدي الشائعات المتعلقة بالاتفاقات أو المواقف الدولية إلى إرباك المسارات الدبلوماسية، وإضعاف قدرة الدولة على إدارة علاقاتها الخارجية بفعالية.
سابعاً : على صعيد التحالفات :
فيما يتعلق بعلاقة الحكومة بالأطراف المتحالفة معها، يوضح التقرير أن التضليل الإعلامي يسهم في خلق فجوات ثقة داخل هذه التحالفات. حيث يتم تضخيم الخلافات التكتيكية وتحويلها إلى انقسامات استراتيجية، أو توجيه اتهامات متبادلة عبر الفضاء الرقمي. كما تمارس الحملات الإعلامية ضغطًا على الحلفاء من خلال التشكيك في نواياهم أو أدائهم، مما قد يؤثر على تماسك التحالف. إضافة إلى ذلك، تضطر الحكومة إلى استنزاف مواردها في الرد على الشائعات بدل التركيز على الرسائل الاستراتيجية، ما يضعف من فاعلية خطابها العام.
ثامناً : أسباب المشكلة :
يخلص التقرير إلى أن نجاح التضليل الإعلامي في السودان يعود إلى تفاعل عدة عوامل، أبرزها: ضعف التواصل الحكومي، وانهيار الإعلام المهني، وقيود الاتصال، والاستقطاب الحاد، ووجود فاعلين منظمين يستخدمون أدوات متقدمة، إضافة إلى الطفرة التقنية في مجال الذكاء الاصطناعي. هذه العوامل مجتمعة خلقت بيئة معلوماتية هشة، يسهل اختراقها والتلاعب بها.
يؤكد التقرير أن التعامل مع التضليل الإعلامي يجب أن يكون جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الأمن القومي، وليس مجرد مسألة إعلامية. ويتطلب ذلك تبني مقاربة شاملة تشمل: إنشاء وحدة اتصال استراتيجي وطني، وتطوير بروتوكولات واضحة لنشر المعلومات، وتعزيز قدرات الرصد والتحقق، وتدريب الناطقين الرسميين، وسن تشريعات مناسبة، إضافة إلى الاستثمار في التربية الإعلامية للمجتمع. كما تبرز أهمية الشفافية الاستباقية في تقليل الفراغ المعلوماتي الذي تستغله الشائعات.
في المحصلة، يبرز التضليل الإعلامي كعامل حاسم في تشكيل مسار الصراع في السودان، حيث يؤثر على الإدراك والقرار والسلوك، ويعيد تشكيل التوازنات الداخلية والخارجية. وبالتالي، فإن كسب “معركة الرواية” لا يقل أهمية عن كسب المعركة على الأرض، بل قد يكون في بعض الأحيان شرطًا مسبقًا لها.




