تأتي هذه الدراسة التحليلية ثمرةَ جهدٍ بحثي أعدّه مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات، بمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين المتخصصين في المجالات السياسية والاستراتيجية والعسكرية والإنسانية والاقتصادية، ممن يمتلكون خبراتٍ ومعارفَ متراكمة في تحليل الأزمات وبناء السيناريوهات واستشراف مآلات الصراعات.
وقد اعتمدت الدراسة على منهجٍ تحليلي شامل يهدف إلى قراءة واقع الأزمة السودانية من مختلف أبعادها، وفهم تعقيدات المشهد الراهن، وتقييم فرص وتحديات الهدنة المقترحة، بما يقدّم رؤية معرفية تساعد صُنّاع القرار والمهتمين بالشأن السوداني على إدراك طبيعة المرحلة ومتطلباتها.
ولا تقتصر هذه الدراسة على رصد الأحداث أو تحليل المواقف السياسية فحسب، بل تسعى إلى تقديم قراءة استراتيجية تستند إلى الخبرة العلمية والمهنية، وتضع بين يدي القارئ تصورًا متكاملًا حول مسارات الحرب والسلام، والخيارات الممكنة للخروج من الأزمة نحو بناء دولة مستقرة وآمنة.
تأتي هذه الدراسة التحليلية بعنوان الهدنة المقترحة في السودان: قراءة تحليلية في المواقف والفرص والتحديات في لحظة فارقة من تاريخ السودان الحديث ، إذ يختنق الوطن بين أزيز المدافع وتعب الناس من حربٍ لا نهاية لها. وقد هدفت الدراسة إلى تحليل المقترح الدولي للهدنة من مختلف جوانبه السياسية والعسكرية والإنسانية، و استشراف آفاقه المحتملة كمدخل لتسوية سياسية شاملة تُعيد للدولة السودانية توازنها وكرامتها.
تناولت الدراسة، في فصولها التسعة، السياقات المعقدة التي وُلدت منها فكرة الهدنة، بدءًا من الجهود الإقليمية والدولية الساعية إلى وقف نزيف الدم، مرورًا بمواقف الأطراف الفاعلة، وانتهاءً بالضمانات والمآلات المستقبلية. فهي ليست قراءة في وثيقة سياسية فحسب، بل محاولة لتفكيك بنية الحرب السودانية وفهم منطقها الداخلي تمهيدًا لإخمادها بالعقل لا بالقوة.
في الفصل الأول والثاني استعرض التقرير جذور المبادرة الدولية التي تبنتها الآلية الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، ومصر)، موضحًا أن الهدنة المقترحة تمثل أول خريطة طريق متكاملة تربط بين وقف إطلاق النار والانتقال السياسي. وقد رُسمت بنودها على أسس تحفظ وحدة السودان وتمنع تقاسمه بين مراكز النفوذ، مع تحديد جدول زمني يمتد لثلاثة أشهر قابلة للتمديد، تمهيدًا لحوار وطني يفضي إلى حكومة مدنية مستقلة.
أما الفصل الثالث فقد تناول آليات الضغط الدولي لإنفاذ الهدنة، حيث أظهرت القوى الراعية إدراكها لأهمية الجمع بين التحفيز والردع، فلوّحت واشنطن والاتحاد الأوروبي بعقوبات اقتصادية ودبلوماسية ضد معرقلي الهدنة، بينما ركّزت الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان على البعد الإنساني، محذّرين من استخدام الغذاء كسلاح في الحرب. كما أُكد على دور دول الجوار في دعم المراقبة الحدودية ومنع تهريب السلاح، وربطت مؤسسات التمويل الدولي أي دعم اقتصادي للسودان بمدى الالتزام بالهدنة.
وفي الفصل الرابع تناولت الدراسة مواقف الأطراف السودانية. فقد تعاملت القوات المسلحة مع الهدنة بحذر واقعي، معتبرة إياها فرصة إنسانية مشروطة بانسحاب الدعم السريع من الأحياء السكنية ونزع سلاح الميليشيات. بينما رحّبت قوات الدعم السريع بالمقترح بوصفه فرصة لكسب الشرعية الدولية، وإن ظلّت متخوفة من الرقابة الميدانية التي قد تكشف تجاوزاتها. أما القوى السياسية، فانقسمت بين مؤيدةللجيش، وأخرى موالية للدعم السريع،وثالثةمدنية محايدة رحّبت بالهدنة لأسباب إنسانية، مطالبة برقابة أممية صارمة. وفي خلفية هذا المشهد، يبرز المزاج الشعبي المنهك من الحرب، إذ أظهر استطلاع لمركز الخبراء العرب أن أكثر من 78% من السودانيين يؤيدون أي هدنة توقف القتال ولو مؤقتًا، ما يعكس تعطّش الناس إلى السلام أكثر من انحيازهم لأي طرف.
وجاء الفصل الخامس ليرصد الفوائد والخسائر المحتملة لكل طرف. فالجيش يرى في الهدنة فرصة لترميم علاقاته الدولية وإعادة تنظيم قواته، لكنه يخشى تجميد مكاسبه الميدانية. أما الدعم السريع فيرى فيها مكسبًا سياسيًا يمنحه شرعية تفاوضية، لكنه يخشى من فقدان زمام المبادرة وانكشاف خطوطه اللوجستية. بينما تأمل القوى المدنية أن تُعيد الهدنة فتح المجال العام وتضع الأساس لحوار وطني، لكنها تخشى تهميشها في حال احتكر العسكريون المشهد السياسي.
وفي الفصل السادس أعادت الدراسة قراءة تجارب الهدن السابقة التي تجاوز عددها الثماني عشرة هدنة منذ أبريل 2023، موضحة أن معظمها انهار بسبب غياب الثقة، وتضارب الوساطات، واستخدام الهدن كغطاء للمناورة العسكرية. ومن أبرزها هدنة جدة، وهدنة رمضان،و هدنة الأمم المتحدة الإنسانية، وكلها سقطت قبل أن تكمل أسبوعها الأول، مما يعكس هشاشة البنية التفاوضية وعمق العداء بين الطرفين.
ثم ركّز الفصل السابع على ضمانات الثقة وآليات التنفيذ، مبرزًا أن نجاح الهدنة مرهون بوجود بعثة مراقبة دولية مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والإيغاد، إلى جانب لجنة تنسيق ميدانية تضم ممثلين للطرفين والدول الراعية، وآلية قانونية تفرض المساءلة على من يخرق الاتفاق. كما شدّد المقترح على إنشاء ممرات إنسانية مؤمّنة، وتحييد المساعدات عن التوظيف السياسي والعسكري.
وتناول الفصل الثامن ترتيبات ما قبل الهدنة، مؤكدًا أن أي وقف لإطلاق النار لن ينجح دون تهيئة ميدانية دقيقة تشمل : فصل القوات، وسحب الأسلحة الثقيلة بعيدًا عن المدن، وتبادل الأسرى بإشراف الصليب الأحمر الدولي، وإعادة تشغيل المرافق الإنسانية والخدمية. فالحرب لا تنتهي بالتوقيع على الورق، بل حين تعود الحياة إلى المستشفيات والمدارس والأسواق، ويُستعاد الإحساس بالأمن في وجدان الناس.
أما الفصل التاسع والأخير فقد رسم آفاق الهدنة ومستقبل التسوية السياسية عبر ثلاثة سيناريوهات : النجاح الجزئي، والفشل المبكر والمراوغة السياسية. وأوضح أن استدامة الهدنة تتوقف على التزام الدول الراعية، وتوازن القوى على الأرض، ووحدة القوى المدنية، واستمرار الضغط الشعبي. كما أكد على أن القوى المدنية والمجتمع الدولي يتحملان مسؤولية تحويل الهدنة من هدنة إنسانية إلى مسار وطني شامل للسلام.
وتُختتم الدراسة بجملة من التوصيات الإستراتيجية الصادرة عن مركز تحليل الأزمات، أبرزها ضرورة ربط أي هدنة بخطة زمنية للانتقال السياسي، وإشراك المجتمع المدني في المراقبة المحلية، وتحييد المساعدات الإنسانية عن التنافس السياسي، وإنشاء غرفة عمليات مشتركة لمتابعة التنفيذ الميداني. كما تؤكد الدراسة أن السلام في السودان لن يتحقق إلا عبر مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والسياسة والعدالة الاجتماعية، فبدون العدالة لا سلام، وبدون الدولة لا استقرار، وبدون الثقة لا هدنة تصمد.
إن هذه الدراسة لا تقتصر على توصيف الأزمة السودانية في بعدها السياسي أو الإنساني، بل تتجاوز ذلك إلى تقديم رؤية تحليلية ومنهجية تهدف إلى تنوير متخذ القرار، وتزويده بالأدوات المعرفية اللازمة لفهم مسارات الحرب وسبل الخروج منها. فهي وثيقة تفكير استراتيجي قبل أن تكون نصًا وصفيًا، تُعيد ترتيب المشهد الوطني في ضوء الوقائع والفرص والتحديات… إنها نداء للعقل السوداني وصانع القرار معًا، ليُعيد اكتشاف مكنون الدولة السودانية وإمكاناتها الكامنة قبل أن يعيد الآخرون تعريفها بمعاييرهم الخاصة.فربّ هدنةٍ تبدأ بإسكات المدافع، وتنتهي بإطلاق مشروع وطني جديد يستعيد للسودان وعيه بدولته، وثقته في قدرته على صناعة سلامٍ نابع من إرادته لا مفروض عليه من الخارج.




