مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
دراسة استراتيجية بعنوان: "تقدير الحجم الاقتصادي لزكاة الفطر في السودان وإمكانات توظيفه في إنشاء مؤسسة وقفية تنموية مستدامة"،
انطلاقًا من مسؤوليته الوطنية والعلمية، وحرصه على الإسهام في دعم جهود التنمية المستدامة وصناعة المعرفة المرتبطة بقضايا المجتمع السوداني، أعدَّ مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات هذه الدراسة الاستراتيجية عبر فريق متخصص من الباحثين والخبراء في المجالات الاقتصادية والتنموية والشرعية. وتأتي هذه الدراسة استشعارًا لأهمية استكشاف الموارد المجتمعية الكامنة التي يمكن أن تسهم في معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه السودان، وبحثًا عن آليات مبتكرة لتعزيز التكافل الاجتماعي وتوسيع مصادر التمويل التنموي المستدام.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما تفرضه من ضرورة تعظيم الاستفادة من الموارد المحلية وتعزيز دور المجتمع في دعم مسارات التنمية والاستقرار، تسعى هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على زكاة الفطر باعتبارها أحد أكبر الموارد المجتمعية الموسمية ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الواسع، واستكشاف إمكانات توظيف الزخم المصاحب لها في دعم مبادرات وقفية وتنموية مستدامة، بما ينسجم مع مقاصد الشريعة الإسلامية ومتطلبات التنمية الحديثة.
وتندرج هذه الدراسة ضمن سلسلة الدراسات الاستراتيجية التي يعمل المركز على إعدادها بهدف تقديم رؤى وسياسات ومقترحات عملية تستند إلى البحث العلمي والتحليل الموضوعي، وتسهم في دعم متخذي القرار والمؤسسات الوطنية في استثمار الفرص المتاحة وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للسودان.
قام مركز الخبراء للدراسات الإنمائية و تحليل الأزمات بعمل دراسة تناولت لأول مرة بالبحث والتحليل أحد أكبر الموارد المجتمعية الموسمية في السودان، وسعت إلى استكشاف آفاق الاستفادة من هذا المورد في دعم التنمية المستدامة وتعزيز التكافل الاجتماعي.
وأكدت الدراسة أن زكاة الفطر تمثل موردًا اقتصاديًا واجتماعيًا ضخمًا يشارك فيه ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها بصورة سنوية، إلا أن حجم هذا المورد ما زال غير معروف على وجه الدقة بسبب غياب الدراسات والإحصاءات المتخصصة التي تقيس قيمته الاقتصادية وأثره الاجتماعي والتنموي.
وأشارت الدراسة إلى أن السودان يمتلك إرثًا راسخًا في مجالات الزكاة والتكافل والوقف، الأمر الذي يوفر بيئة مناسبة لتطوير أدوات جديدة للتمويل الاجتماعي والتنمية المستدامة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد خلال المرحلة الراهنة وما بعدها.
وأوضحت الدراسة أن تقدير الحجم الاقتصادي لزكاة الفطر يمثل الخطوة الأولى نحو فهم الإمكانات الحقيقية لهذا المورد، إذ يمكن من خلاله التعرف على حجم الأموال والموارد التي يتم تداولها خلال فترة قصيرة من كل عام، ومدى مساهمتها في دعم الأسر الفقيرة وتحقيق مقاصد التكافل الاجتماعي التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.
وبحسب الدراسة، فإن أهمية زكاة الفطر لا تقتصر على بعدها التعبدي والشرعي، وإنما تمتد لتشمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية متعددة، من بينها إعادة توزيع جزء من الثروة داخل المجتمع، وتخفيف الأعباء المعيشية عن الأسر الفقيرة قبيل عيد الفطر، وتحريك الأسواق المحلية، وتعزيز قيم التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع.
وتطرقت الدراسة إلى إمكانية الاستفادة من الزخم الاقتصادي والاجتماعي المصاحب لموسم زكاة الفطر في تأسيس مبادرات وقفية وتنموية مستدامة تعتمد على المساهمات الوقفية الاختيارية والتبرعات المجتمعية، مؤكدة أن هذه المبادرات لا تتعارض مع الأحكام الشرعية المتعلقة بزكاة الفطر أو مصارفها المحددة شرعًا، بل تقوم على استثمار روح العطاء والتكافل التي تميز هذا الموسم المبارك.
وأكدت الدراسة أن إنشاء مؤسسة وقفية تنموية مستدامة يمكن أن يشكل إحدى الآليات العملية لتحويل العطاء الموسمي إلى أثر تنموي دائم، من خلال توجيه الموارد الوقفية والاستثمارات المشروعة نحو تمويل مشروعات إنتاجية وخدمية تعود بالنفع على الفئات الضعيفة والمجتمعات المحلية.
واقترحت الدراسة أن تعمل المؤسسة الوقفية المقترحة في مجالات متعددة تشمل دعم التعليم، وتمويل الرعاية الصحية، وتمكين الأسر المنتجة، وتمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، ورعاية الأيتام والأرامل، والإسهام في برامج إعادة الإعمار والتنمية المجتمعية، بما يسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل.
كما دعت الدراسة إلى تنفيذ مسح وطني شامل لتقدير الحجم الاقتصادي الفعلي لزكاة الفطر في السودان، يشمل مختلف الولايات والفئات الاجتماعية، والاستفادة من البيانات الناتجة في بناء قاعدة معلومات وطنية تساعد صناع القرار والمؤسسات الوقفية والخيرية والبحثية في وضع السياسات والبرامج المناسبة.
وأوصت الدراسة بضرورة تشكيل لجنة وطنية تضم ممثلين للجهات الشرعية والاقتصادية والمالية والوقفية والأكاديمية لدراسة الفكرة بصورة أكثر تفصيلًا، ووضع الأطر القانونية والمؤسسية اللازمة لتطوير نموذج سوداني رائد في مجال الوقف التنموي، يستفيد من التجارب الإقليمية والدولية الناجحة مع مراعاة خصوصية الواقع السوداني.
وأشار مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات إلى أن هذه الدراسة تأتي ضمن سلسلة من الدراسات الاستراتيجية التي يعمل المركز على إعدادها بهدف البحث عن حلول مبتكرة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه السودان، واستكشاف الموارد والفرص الكامنة التي يمكن توظيفها في دعم جهود التنمية والاستقرار وبناء المستقبل.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن الموارد المجتمعية ذات الطابع الديني والتكافلي تمثل أحد أهم الأصول غير المستغلة بالشكل الكافي في العالم الإسلامي، وأن حسن إدارتها وتطوير آليات الاستفادة منها يمكن أن يسهم في توفير مصادر تمويل مستدامة للتنمية، وتعزيز دور المجتمع في معالجة قضايا الفقر والبطالة والهشاشة الاقتصادية، بما ينسجم مع مقاصد الشريعة الإسلامية وأهداف التنمية المستدامة.




