أعدَّ هذه الدراسة فريق من الخبراء والباحثين بـمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات، في إطار رسالة المركز الرامية إلى إنتاج دراسات علمية رصينة تدعم صناعة القرار، وتوفر قراءات موضوعية للقضايا الوطنية ذات الأولوية. وتعتمد الدراسة على تحليل اتجاهات الرأي العام السوداني ورصد التفاعلات المجتمعية مع الأزمة الاقتصادية خلال الفترة من 11 إلى 17 يونيو 2026، مستندةً إلى منهجية علمية تجمع بين التحليل الكمي والنوعي، بما يتيح فهماً أعمق لمؤشرات الاحتقان المجتمعي وأولويات المواطنين، ويسهم في صياغة سياسات واستجابات أكثر فاعلية لمواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة.
تشهد الساحة السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 تحولات اقتصادية عميقة انعكست بصورة مباشرة على حياة المواطنين ومستوى معيشتهم وأولوياتهم اليومية. فإلى جانب التداعيات الأمنية والعسكرية للحرب، برزت أزمة اقتصادية متعددة الأبعاد شملت تراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم، وانفلات الأسعار، وأزمات الوقود والكهرباء والسيولة النقدية، فضلاً عن تراجع الإنتاج وتضرر البنية الاقتصادية والخدمية في عدد من المناطق.وتكشف نتائج تقرير اتجاهات الرأي العام السوداني للفترة من 11 إلى 17 يونيو 2026 أن الملف الاقتصادي استحوذ على نحو 25% من إجمالي اهتمامات الرأي العام، ليأتي في المرتبة الثانية مباشرة بعد الملف الأمني والعسكري الذي استحوذ على 35%. وتعكس هذه النسبة المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها القضايا الاقتصادية في سلم أولويات المواطنين، كما تعكس حجم الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر السودانية في حياتها اليومية.
وتكتسب دراسة العلاقة بين الأزمة الاقتصادية واتجاهات الرأي العام أهمية خاصة في ظل الدور المتزايد الذي تلعبه وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في تشكيل التصورات العامة حول الأداء الاقتصادي للحكومة، وفي التأثير على المزاج الشعبي وتوجيه النقاشات العامة المتعلقة بالأوضاع المعيشية.ومن هذا المنطلق تسعى هذه الورقة إلى تحليل العلاقة بين الأزمة الاقتصادية واتجاهات الرأي العام في السودان، واستكشاف كيفية تناول وسائل الإعلام للقضايا الاقتصادية، وقراءة مؤشرات الاحتقان المجتمعي المرتبطة بالضغوط المعيشية، وصولاً إلى تقديم عدد من الرؤى والتوصيات التي يمكن أن تسهم في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي خلال المرحلة المقبلة.
أولا : تقييم واتجاهات الرأي العام تجاه الأزمة الاقتصادية الراهنة في السودان :
1. أظهرت نتائج الرصد أن الأزمة الاقتصادية أصبحت أحد أهم محددات المزاج العام السوداني، حيث تحولت من قضية اقتصادية فنية إلى هم يومي يمس حياة المواطنين بصورة مباشرة ويؤثر على تقييمهم لأداء مؤسسات الدولة.
2. يرى الرأي العام أن استمرار تراجع قيمة الجنيه السوداني وارتفاع أسعار السلع والخدمات ومدخلات الإنتاج يمثل أحد أبرز مظاهر الأزمة، وسط تشكيك متزايد في قدرة المعالجات الحالية على تحقيق استقرار حقيقي في الأسواق وسعر الصرف.
3. تصدرت أزمات الوقود والكهرباء والسيولة النقدية اهتمامات المواطنين بسبب تأثيرها المباشر على النقل والإنتاج والخدمات والحياة اليومية، كما ارتبطت في الوعي العام بحالة التذمر المتصاعدة من تراجع مستوى الخدمات الأساسية.
4. شكل الغلاء وارتفاع الأسعار القضية الأكثر حضوراً في وجدان المواطنين، حيث تواجه قطاعات واسعة من الأسر صعوبات متزايدة في توفير احتياجاتها الأساسية، فيما أصبحت أسعار الخبز تمثل المؤشر الأكثر تعبيراً عن الضغوط المعيشية وحالة السخط الشعبي.
5. كشفت اتجاهات الرأي العام عن تراجع الثقة في جدوى المعالجات الاقتصادية التقليدية، مع تصاعد الدعوات للانتقال من مرحلة الاجتماعات والتصريحات إلى قرارات وإجراءات عملية تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
6. برزت فجوة متنامية بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، حيث يرى قطاع واسع من الرأي العام أن نجاح السياسات الاقتصادية يجب أن يقاس بتحسن الأوضاع المعيشية واستقرار الأسواق وتوفير الخدمات، وليس بحجم التصريحات والوعود المعلنة.
7. اتفقت غالبية اتجاهات الرأي العام على أن معالجة الأزمة الاقتصادية أصبحت أولوية وطنية عاجلة، مع تنامي القناعة بأن الخروج من الأزمة بصورة مستدامة يظل مرتبطاً بوقف الحرب واستعادة الاستقرار وعودة عجلة الإنتاج والاستثمار، إلى جانب تبني معالجات اقتصادية أكثر فاعلية وقدرة على احتواء الضغوط المعيشية والحد من مؤشرات الاحتقان المجتمعي
ثانياً : الأزمة الاقتصادية ومؤشرات الاحتقان لدى الرأي العام السوداني :
لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد تحدٍ مالي أو معيشي، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى قضية مجتمعية وسياسية ذات تأثير مباشر على المزاج العام والاستقرار الاجتماعي. وتكشف نتائج الرصد أن حالة التذمر الشعبي من الأوضاع الاقتصادية بلغت مستويات غير مسبوقة خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي جعل الملف الاقتصادي واحداً من أكثر الملفات ارتباطاً بمؤشرات الرضا أو السخط داخل الرأي العام ويمكن الاشارة اليها من خلال الاتى :
1. تصاعدحالة السخط الشعبي :
تكررت شكاوى المواطنين من الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للدخول والأجور، فيما باتت قطاعات واسعة من الأسر تواجه صعوبات متزايدة في توفير احتياجاتها اليومية. ..كما كشفت التفاعلات أن الحديث عن الأوضاع الاقتصادية أصبح جزءاً من الأحاديث اليومية للمواطنين في الأسواق ووسائل النقل وأماكن العمل ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي يعيشها المجتمع.
2. الخبز بوصفه مؤشراً للمزاج العام :
احتل ارتفاع أسعار الخبز مساحة واسعة في النقاشات العامة، حيث نظر إليه الرأي العام باعتباره أحد أكثر المؤشرات تعبيراً عن مستوى الضغوط المعيشية. وقد سادت حالة من المرارة والاستياء وسط المواطنين بسبب الزيادات المتتالية في أسعار الخبز.
3. تآكل الطبقة الوسطى :
من أبرز المؤشرات التي أظهرتها النقاشات العامة تنامي الشعور بتراجع أوضاع الطبقة الوسطى واتساع دائرة الفئات المتأثرة بالأزمة الاقتصادية. فبعد أن كانت آثار الغلاء تتركز في الشرائح الفقيرة، بدأت الضغوط الاقتصادية تمتد بصورة متزايدة إلى قطاعات واسعة من الموظفين وأصحاب المهن والحرف المختلفة.
4. تنامي المخاوف من الاحتقان الاجتماعي :
أظهرت التفاعلات تصاعد التحذيرات من أن استمرار الأوضاع الاقتصادية الحالية قد يقود إلى مستويات أعلى من الاحتقان المجتمعي خلال الفترة المقبلة كما برزت داخل الرأي العام مخاوف من أن يؤدي استمرار الغلاء وانعدام السيولة وتدهور الخدمات إلى إضعاف قدرة الأسر على تحقيق الاستقرار الاجتماعي.
5. اذن هل تقترب البلاد من مرحلة الغضب الاجتماعي؟ :
رغم أن الرأي العام ما يزال يمنح أولوية واضحة لمعركة الكرامة ومتطلبات الأمن الوطني، إلا أن نتائج الرصد تكشف عن تنامي مؤشرات الغضب المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية. وقد برزت في بعض النقاشات تحذيرات من أن استمرار تدهور الأوضاع المعيشية دون معالجات ملموسة قد يدفع نحو موجات أوسع من الاحتجاجات أو السخط الشعبي خلال المرحلة المقبلة.
ثالثاً : دور الاتصال الحكومي والإعلام في إدارة الأزمة الاقتصادية :
تكشف نتائج الرصد أن جانباً مهماً من القلق الاقتصادي السائد لا يرتبط بالأزمة نفسها فحسب، وإنما بطريقة إدارة المعلومات المتعلقة بها. فكلما اتسعت الفجوة بين ما يعيشه المواطن على أرض الواقع وما يصله من معلومات رسمية، تزايدت معدلات الشك والتساؤل وانتشرت الشائعات والتفسيرات المتضاربة.. ويمكن الاشارة الى ذلك من خلال :
- فجوة الثقة بين المواطن والخطاب الرسمي :
أظهرت اتجاهات الرأي العام وجود فجوة متنامية بين الخطاب الاقتصادي الرسمي وبين توقعات المواطنين. فبينما تركز المؤسسات الحكومية على عرض الإجراءات والقرارات المتخذة، ينشغل المواطن بصورة أكبر بنتائج هذه الإجراءات وانعكاساتها المباشرة على حياته اليومية. وقد برز هذا الاتجاه بصورة واضحة في التفاعلات المرتبطة بأزمات الوقود والكهرباء والسيولة، حيث تكررت مطالب الرأي العام بضرورة الانتقال من مرحلة التصريحات إلى مرحلة النتائج الملموسة التي يشعر بها المواطن في الأسواق والخدمات والمعاملات اليومية.
- أثر تأخر المعلومات في صناعة الشائعات :
أثبتت العديد من القضايا التي تناولها تقرير الرأي العام أن غياب المعلومات أو تأخرها يفتح الباب أمام الشائعات والمعلومات غير الدقيقة. فكلما تأخرت التوضيحات الرسمية، سارعت المنصات الرقمية إلى ملء الفراغ بالمعلومات غير المؤكدة والتفسيرات المتباينة.وقد ظهر ذلك بوضوح في عدد من الملفات الإقتصادية والإدارية التي تحولت إلى موضوعات جدل واسعة بسبب غياب المعلومات الكافية أو تضارب التصريحات الصادرة حولها.
- الإعلام شريك في إدارة الأزمة :
لا يقتصر دور الإعلام على نقل الأخبار الاقتصادية، بل يمتد إلى المساهمة في إدارة الأزمة نفسها. فالإعلام المهني يستطيع أن يشرح السياسات الاقتصادية بلغة مبسطة، وأن ينقل الحقائق للمواطنين، وأن يواجه الشائعات، وأن يوفر منصة للنقاش الموضوعي بين الخبراء وصناع القرار والجمهور.. وفي المقابل، فإن التناول غير المهني أو المبالغ فيه لبعض القضايا الاقتصادية قد يسهم في زيادة القلق والارتباك داخل الرأي العام، خاصة في البيئات التي تعاني أصلاً من الضغوط الإقتصادية والنفسية.
- الحاجة إلى خطاب اقتصادي جديد :
تشير اتجاهات الرأي العام إلى الحاجة المتزايدة لخطاب اقتصادي أكثر وضوحاً وواقعية وشفافية. فالمواطن لا ينتظر فقط معرفة وجود أزمة، بل يريد أن يعرف أسبابها، وخطط معالجتها، والإطار الزمني المتوقع لتحسن الأوضاع. كما أن الرأي العام أصبح أكثر حساسية تجاه الخطابات المتفائلة بصورة مفرطة إذا لم تكن مدعومة بنتائج ملموسة على أرض الواقع، الأمر الذي يجعل المصداقية والوضوح من أهم عناصر الاتصال الحكومي الناجح في أوقات الأزمات.
- الاتصال الحكومي كأداة للاستقرار :
في أوقات الأزمات الإقتصادية لا تقل أهمية إدارة المعلومات عن أهمية إدارة الموارد نفسها. فالمعلومات الدقيقة والسريعة تساعد على بناء الثقة وتقليل القلق واحتواء الشائعات، بينما يؤدي الغموض أو التضارب إلى زيادة التوتر وعدم اليقين. ومن ثم فإن تطوير منظومة الاتصال الحكومي وتوحيد الرسائل الإعلامية وتعزيز الشفافية باتت تمثل متطلبات أساسية لدعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي خلال المرحلة الراهنة.
رابعاً : رؤى وحلول مستخلصة من اتجاهات الراي العام للخروج من الأزمة الاقتصادية :
تكشف نتائج الرصد أن معالجة الأزمة الاقتصادية لم تعد خياراً تنموياً فحسب، بل أصبحت ضرورة وطنية ترتبط بصورة مباشرة بالاستقرار الاجتماعي والسياسي والأمني. كما تؤكد اتجاهات الرأي العام أن المواطنين باتوا يتطلعون إلى حلول عملية وملموسة أكثر من اهتمامهم بالخطابات والتبريرات، الأمر الذي يفرض تبني حزمة متكاملة من الإجراءات العاجلة والاستراتيجية لمعالجة جذور الأزمة والحد من آثارها على المجتمع ومن الافكار والتوصيات التى وردت .
1. إعطاء الأولوية لمعاش المواطنين عبر ضمان استقرار إمدادات الوقود والكهرباء والخبز والسلع الأساسية، وتخفيف الأعباء المعيشية عن الفئات الأكثر تضرراً من الحرب والأزمة الاقتصادية.
2. العمل على استعادة الاستقرار النقدي والمالي من خلال ضبط سوق النقد الأجنبي، وتوسيع الصادرات، والحد من التهريب، وتقوية دور القطاع المصرفي واستعادة الثقة في النظام المالي.
3. توسيع برامج الحماية الاجتماعية والدعم الموجه للفئات الأكثر هشاشة، وربطها ببرامج الإنتاج والتشغيل بما يسهم في تقليل الاعتماد على المعالجات الإغاثية قصيرة الأجل.
4. دعم القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها المدخل الأساسي لزيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتحقيق الأمن الغذائي وزيادة الصادرات.
5. ترسيخ مبادئ الشفافية ومكافحة الفساد والتهريب وإحكام الرقابة على الموارد العامة وصادرات الذهب والمعابر الحدودية، بما يسهم في حماية الموارد الوطنية وتحسين كفاءة الاقتصاد.
6. تطوير الاتصال الحكومي والاقتصادي من خلال توفير المعلومات بصورة دورية وسريعة وواضحة، بما يسهم في بناء الثقة العامة والحد من تأثير الشائعات والمعلومات المضللة.
7. بناء شراكة وطنية واسعة تضم الدولة والقطاع الخاص والخبراء والجامعات والإعلام ومنظمات المجتمع المدني لصياغة رؤية اقتصادية مشتركة تدعم جهود التعافي وإعادة البناء.
8. تؤكد نتائج الرصد أن الرأي العام لا يبحث عن الوعود أو المعالجات النظرية بقدر ما يبحث عن نتائج ملموسة تتمثل في استقرار الأسعار وتوفير الوقود والكهرباء والسيولة وتحسين الخدمات، باعتبارها المؤشرات الحقيقية لنجاح السياسات الاقتصادية واستعادة الثقة العامة.
تكشف هذه الورقة أن الأزمة الاقتصادية لم تعد مجرد ملف اقتصادي، بل أصبحت قضية رأي عام رئيسية استحوذت على نحو 25% من اهتمامات المواطنين، وجاءت في المرتبة الثانية بعد الملف الأمني والعسكري. وقد أظهرت اتجاهات الرأي العام أن الغلاء وأزمات الوقود والكهرباء والسيولة وتراجع قيمة الجنيه أصبحت تشكل المصدر الأكبر للقلق والسخط الشعبي.
كما يؤكد الرأي العام أن نجاح الدولة في المرحلة المقبلة لن يقاس بحجم الخطط والتصريحات، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في حياة المواطنين من خلال استقرار الأسعار وتحسين الخدمات وتخفيف الأعباء المعيشية. ورغم حالة القلق المتزايدة، ما تزال قطاعات واسعة من الرأي العام تحتفظ بالأمل في تجاوز الأزمة إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الواضحة والمعالجات الفاعلة.
وبصورة عامة، فإن الرسالة الأبرز التي تعكسها اتجاهات الرأي العام هي أن الاقتصاد أصبح اليوم أحد أهم مفاتيح الاستقرار الوطني، وأن أي تقدم في هذا الملف سينعكس مباشرة على المزاج العام والثقة المجتمعية ومستقبل التعافي وإعادة البناء في السودان.




