أُعدَّت هذه الدراسة بواسطة فريق من الخبراء والباحثين الوطنيين في مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات، في إطار جهود المركز الرامية إلى تقديم قراءات علمية واستراتيجية للقضايا الوطنية ذات الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية، اعتمادًا على منهجية بحثية تستند إلى تحليل البيانات، ورصد التطورات، واستقراء الاتجاهات، وبناء السيناريوهات المستقبلية.
وتأتي هذه الدراسة انطلاقًا من أهمية ملف اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية ضد السودان، باعتباره من أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على الأمن القومي والمصالح الوطنية، لما يحمله من انعكاسات تتجاوز الجوانب القانونية والفنية لتطال مكانة السودان الدولية، وعلاقاته الخارجية، وفرص التعافي وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب.
ولا تعكس هذه الدراسة مواقف سياسية أو قانونية، وإنما تقدم تقديرًا استراتيجيًا مستقلًا يستند إلى المعلومات والبيانات المتاحة حتى تاريخ إعدادها، بهدف الإسهام في فهم أبعاد الأزمة، وتحليل تداعياتها المحتملة، وطرح بدائل وسياسات تساعد صُنّاع القرار والباحثين والمهتمين بالشأن السوداني على التعامل مع هذا الملف وفق رؤية وطنية تستند إلى التحليل العلمي والاستشراف الاستراتيجي.
وتؤكد الدراسة التزام مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات بدوره البحثي في إنتاج المعرفة الاستراتيجية، ودعم صناعة السياسات العامة من خلال تقديم دراسات موضوعية تستند إلى أسس علمية، وتسهم في تعزيز الحوار الوطني، وحماية المصالح العليا للدولة السودانية في ظل التحديات الراهنة.
◉ تمثل أزمة اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية ضد السودان واحدة من أخطر الأزمات السياسية والدبلوماسية التي واجهتها الدولة السودانية خلال فترة الحرب الحالية، ليس بسبب طبيعة الاتهامات فحسب، وإنما بسبب ما ترتب عليها من تداعيات استراتيجية تجاوزت البعد القانوني والفني لتطال الأمن القومي السوداني ومكانة الدولة وعلاقاتها الخارجية وفرصها المستقبلية في التعافي وإعادة الإعمار.
وتكشف الدراسة أن الملف لا يمكن النظر إليه باعتباره قضية فنية أو قانونية معزولة، بل أصبح جزءاً من بيئة صراع دولي وإقليمي معقدة تتداخل فيها اعتبارات الحرب السودانية مع حسابات النفوذ والتوازنات الجيوسياسية في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فبينما تستند الاتهامات إلى مزاعم تتعلق باستخدام مواد محظورة دولياً، فإن طريقة إدارة الملف وتوقيته ومسار تطوره تشير إلى أنه تحول إلى أداة ضغط سياسي ودبلوماسي ذات تأثير مباشر على السودان وموقعه في المعادلات الإقليمية والدولية.
◉ وتوصلت الدراسة إلى أن السودان واجه خلال العقود الثلاثة الماضية ثلاث محطات رئيسية ارتبط فيها اسمه بملف الأسلحة الكيميائية، بدأت بأزمة مصنع الشفاء عام 1998، ثم اتهامات دارفور وجبل مرة، وصولاً إلى الاتهامات الحالية المرتبطة بالحرب السودانية. وتؤكد هذه المحطات أن الملف لم يعد مجرد قضية عابرة، بل أصبح أحد الملفات المتكررة في الخطاب السياسي والإعلامي الدولي المتعلق بالسودان.
كما أظهرت الدراسة أن الأدلة المعلنة حتى الآن لا تزال دون مستوى الحسم القانوني والفني النهائي وفق المعايير الدولية المعروفة في قضايا الأسلحة الكيميائية، حيث لم تُنشر نتائج مخبرية مستقلة أو تقارير تحقيق دولية مكتملة يمكن أن تشكل أساساً لإدانة دولية نهائية. وفي المقابل، فإن تبني الولايات المتحدة للاتهامات وفرضها عقوبات مرتبطة بالملف منح القضية ثقلاً سياسياً ودبلوماسياً كبيراً، وأسهم في نقلها من دائرة الجدل الإعلامي إلى دائرة التأثير المباشر على المصالح الوطنية السودانية.
◉ وتشير نتائج التحليل إلى أن البعد السياسي أصبح الأكثر حضوراً وتأثيراً في إدارة الأزمة مقارنة بالبعد الفني الذي لا يزال ينتظر الحسم. فالعقوبات والضغوط الدولية والإجراءات المصاحبة للملف سبقت اكتمال أي مسار تحقيق دولي معلن، الأمر الذي جعل الأزمة تتحول عملياً إلى أداة ضغط تستخدم للتأثير على البيئة السياسية والعسكرية والدبلوماسية المرتبطة بالحرب السودانية.
◉ كما بينت الدراسة أن الأزمة أفرزت جملة من التداعيات الاستراتيجية الخطيرة، تمثلت في زيادة الضغوط السياسية والدبلوماسية على السودان، وتراجع مستويات الثقة الدولية، وتعقيد جهود جذب الاستثمار والتمويل وإعادة الإعمار، ورفع مستوى المخاطر السيادية والاقتصادية المرتبطة بالدولة السودانية. كذلك أسهم الملف في إضعاف الصورة الدولية للسودان، وفتح المجال أمام مزيد من التدخلات والضغوط الخارجية تحت عناوين متعددة تتعلق بالقانون الدولي وحقوق الإنسان والأمن الإقليمي.
◉ وتكشف خريطة الفاعلين أن الملف لم يعد حكراً على الجوانب الفنية أو القانونية، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى دولية وإقليمية ومحلية متعددة. فالولايات المتحدة تنظر إليه ضمن إطار أوسع يتعلق بإدارة الأزمة السودانية والتأثير على مآلاتها، بينما تتعامل معه بعض القوى الدولية الأخرى من منظور التنافس على النفوذ والمصالح في المنطقة. وفي الداخل السوداني أصبح الملف جزءاً من حالة الاستقطاب السياسي والإعلامي المصاحبة للحرب، وأحد الأدوات المستخدمة في معركة الشرعية والتأثير على الرأي العام المحلي والدولي.
◉ وتوصلت الدراسة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال الفترة المقبلة يتمثل في استمرار الملف كأداة ضغط سياسية ودبلوماسية دون الوصول إلى حسم دولي نهائي في المدى القريب. فالمعطيات الحالية لا تشير إلى وجود أدلة معلنة كافية لإغلاق الملف بإدانة قانونية قاطعة، كما لا تشير في الوقت نفسه إلى اتجاه دولي نحو إسقاطه أو تجاهله. وبناءً على ذلك، يرجح أن يستمر استخدام القضية ضمن منظومة الضغوط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية المرتبطة بالحرب ومستقبل التسوية السياسية في السودان.
◉ ويخلص التقدير الاستراتيجي النهائي إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الاتهامات ذاتها، وإنما في الآثار التراكمية المترتبة عليها. فكلما طال أمد الأزمة دون معالجة فعالة، ازدادت قدرتها على التأثير في فرص السودان الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، وتحولت تدريجياً إلى أحد العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل علاقاته الخارجية ومستقبله بعد الحرب.
◉ وعليه، توصي الدراسة بضرورة التعامل مع الملف باعتباره أزمة أمن قومي واستراتيجية ممتدة، تتطلب استجابة وطنية شاملة لا تقتصر على الجانب القانوني أو الإعلامي، وإنما تقوم على التكامل بين الدبلوماسية والقانون والإعلام والاقتصاد والأمن والتحليل الاستراتيجي. كما توصي بتبني تحرك استباقي يهدف إلى حماية المصالح الوطنية، واحتواء التداعيات الدولية للأزمة، وتعزيز قدرة السودان على استعادة الثقة الدولية وتهيئة البيئة اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار خلال مرحلة ما بعد الحرب.




